النفط “يزيّت” صعود أسعار الفائدة

الفائدة

ينذر الارتفاع المتواصل في عوائد السندات السيادية منذ بدء الحرب قبل ستة عشر يوماً، ووصولها أخيراً إلى مستويات قياسية، بالمزيد من التشدد في السياسة النقدية. فالأسواق تعيد تقييم المخاطر التضخمية نحو الأعلى، وتضع المصارف المركزية بين حدّي عدم تغيير أسعار الفائدة، بأقل الإيمان، ورفعها من جديد فيما لو استمرت الارتفاعات في الأسعار الناتجة بشكل أساسي عن صدمة النفط.

الأنظار تتجه إلى منتصف هذا الأسبوع، حيث تعقد أكبر المصارف المركزية في العالم اجتماعاتها. الفيدرالي الأميركي سينعقد يوم غد الأربعاء، في اجتماع أقل ما يُتوقع له أن يكون عاصفاً. فرئيسه جيروم باول، الذي يرى بأمّ العين هروب المستثمرين من سندات الخزينة، ويراقب عن كثب مؤشر أسعار المستهلكين ونسب البطالة، لن يقدم على خطوة تخفيض أسعار الفائدة الانتحارية في آخر اجتماع في ولايته. والأمر نفسه ينسحب على المركزي الأوروبي والبريطاني، حيث ترهق تداعيات ارتفاع النفط اقتصاديهما وتدفع الأسعار إلى مستويات ظنّا أنهما تجاوزاها إلى أمد طويل عقب اندلاع الصراع بين روسيا وأوكرانيا.

ارتفاع عوائد السندات

قبل أيام على اتخاذ القرار بشأن مصير أسعار الفائدة، شهدت مختلف السندات السيادية عمليات بيع مكثفة، وارتفاعاً في العائد عليها. فقد ارتفعت عوائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى لها منذ تشرين 2023، بينما قفزت عوائد السندات الفرنسية إلى مستويات لم تُشهد منذ أزمة الديون الأوروبية عام 2011. وسارت السندات البريطانية (Gilts) على المنوال نفسه، حيث سجل عائد السندات لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له في ستة أشهر على الأقل.

من المعروف أن أسعار الفائدة (Interest) ترتبط بعلاقة عكسية مع العائد (Yield). فعندما يتوقع المستثمرون أن المصارف المركزية لن تخفض أسعار الفائدة أو سترفعها، يبيعون ما بأيديهم من سندات. فالفوائد المرتفعة تحفّز على إصدار سندات جديدة بعوائد أعلى. وعندما تكثر عمليات البيع، تتراجع الأسعار ويرتفع العائد على السندات. ذلك أن العائد بنسبة 5 في المئة على سند بقيمة 100 دولار يرتفع إلى 6.25 في المئة إذا أصبح السعر 80 دولاراً. وعليه، كلما ازداد العائد على السندات، كانت الإشارة أكبر إلى عمليات البيع في السوق.

في الموازاة، أكد تقرير “دويتشه بنك” أن التوقعات بشأن قدرة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على خفض الفائدة تراجعت بشكل دراماتيكي، حيث تم تسعير خفض بمقدار 20 نقطة أساس فقط (0.20%) بنهاية العام. وهذا يعني أن خفض سعر الفائدة من قبل الفيدرالي في عام 2026 لم يعد متوقعاً بالكامل، وفقاً لدويتشه بنك.

الموازنة بين الركود والتضخم

إبقاء الفوائد من دون تغيير، أو حتى رفعها، يثير الخشية من تراجع النمو وإصابة الاقتصادات بالركود، فيما يؤدي تخفيضها إلى زيادة التضخم. وما بين هذين الحدّين تحاول المصارف المركزية الموازنة بكثير من الصعوبة كيلا تقع الاقتصادات فريسة الركود التضخمي، ما يعني ارتفاعاً في الأسعار من دون نمو. وسينتج ارتفاع الأسعار بشكل أساسي من النفط، حيث تشير التوقعات إلى أن استمرار إقفال مضيق هرمز لمدة ثلاثة أشهر سيرفع سعر برميل النفط خام برنت إلى 164 دولاراً، ويؤدي إلى ركود حتمي في معظم اقتصادات الدول المتطورة.

وبحسب توقعات الخبراء، فإن أوروبا تحديداً لن تنجر هذه المرة وراء الاعتقاد بأن ارتفاع اسعار الطاقة ظرفية، بل قد تُظهر استعداداً أسرع لرفع الفائدة إذا ما بدت توقعات التضخم حتمية وتهدد الأمن الاقتصادي. وبين ارتفاع أسعار النفط، الذي يدفع إلى ركود تقني، وتشدد المصرف المركزي في السياسة النقدية، سيتراجع الطلب، وتزداد كلفة الرهن العقاري، وينخفض الإنتاج الصناعي، ويزداد التخلف عن سداد الديون. وباختصار، “ستتفاعل المخاطر التضخمية مع هشاشة النمو في توليفة تحاكي تجارب السبعينيات”، بحسب الأكاديمي والمستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش في حديث صحفي.

إضافة إلى كل ما تقدم يفيد تقرير جديد لـ “بلومبرغ” أن 21 مؤسسة نقدية تشرف على ثلثي الاقتصاد العالمي تتجه إلى تبنّي نبرة أكثر حذراً أمام مخاطر تضخمية متجددة ناتجة عن تصاعد الصراع في المنطقة.

في جميع الأحوال، إن كانت التوقعات تشير إلى انتهاء الحرب خلال فترة قصيرة، فإن المصارف المركزية لن تتوانى عن اتباع سياسة التيسير النقدي حفاظاً على الاستقرار في الأسواق. أما في حال العكس، فإن التشدد سيكون الخيار الذي ستعتمده، ولا سيما في ظل ما يُحكى عن ضغط مستمر في مضيق هرمز لن ينتهي مع وقف إطلاق النار، بل إلى حين انتهاء المفاوضات، إذ إن إيران أدركت أن هذا الممر ورقة ضغط قوية بيدها.. ستستمر في استخدامها.