أعاد الهجوم الإسرائيلي على حقل بارس الجنوبي للغاز في منطقة العسلوية الإيرانية إحياء المخاوف على مستقبل الطاقة في المنطقة والعالم. فردّة فعل إيران غير المبرَّرة، باستهدافها منشآت الطاقة الأساسية في مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، ومصفاتين للتكرير في الرياض، وإطلاق تحذيرات مباشرة لمصافٍ وحقول النفط في الإمارات، دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى التهديد بتفجير حقل بارس الجنوبي بالكامل، فيما لو استمرت إيران في استهداف المنشآت النفطية.
بسرعة قياسية، وضعت حرب إيران العالم على صفيح النفط الساخن، وأخذت تُقلّبه يمنةً ويسرى. ففي الوقت الذي كانت تبحث فيه الدول وكبريات شركات النقل عن بدائل تمكّنها من استئناف الإمدادات النفطية والسلعية وتكبح جماح ارتفاع الأسعار، أتت التهديدات باستهداف المنشآت النفطية لتفاقم المخاطر. فبرميل النفط ارتفع على الفور أكثر من 5 في المئة، ليفتح التداولات صباح هذا اليوم على 112 دولاراً للبرميل، فيما توقّف إمداد الغاز الإيراني للعراق، وتراجع الإنتاج في العديد من المنشآت الخليجية نتيجة التهديدات الإيرانية.
الإدانة القطرية لاستهداف حقل بارس، الذي يمثّل امتداداً لحقل غاز الشمال في قطر، لم تحُل دون استهدافها من قبل إيران. وقد شملت التهديدات أيضاً مجمّع الجبيل للبتروكيماويات في السعودية، وحقل الحصن للغاز في الإمارات، ومجمّع مسيعيد للبتروكيماويات، وشركة مسيعيد القابضة، ومصفاة رأس لفان في قطر. وأكدت إيران أنها ستستهدف هذه المواقع بضربات جوية “خلال الساعات القادمة”، الأمر الذي أدّى إلى إخلائها من الموظفين وإقفالها، خشية تسبّب الضربات بأضرار كبيرة.
وسط هذه الأجواء الملبّدة باللايقين الطاقوي، والتي سبقتها تهديدات إيرانية لحقول نفط إسرائيل، ولا سيما حقل كاريش في المتوسط، تبدو أحلى الخيارات مُرّة. فاستهداف إيران لحقول النفط في المنطقة سيزيد الولايات المتحدة إصراراً على احتلال جزيرة خرج، مصدر الطاقة الأكبر لإيران، وما التعزيزات العسكرية التي تتحضّر لها إلا في سبيل هذه الخطوة. وعلى الرغم من كون مثل هذه الإجراءات قد تُسهّل فتح مضيق هرمز، إلا أنها ستستثير إيران وتدفعها إلى الانتقال إلى استراتيجية “عليّ وعلى أعدائي”، ما يتسبّب بخسائر كبيرة لا تنحصر في المنشآت النفطية، إنما تطال البيئة والاستثمارات، وتؤثر سلباً على عنصر الثقة. ومن الطبيعي أنها سترفع الأسعار إلى مستويات قياسية، إذ لم تتوانَ إيران في السابق عن التهديد بإيصال سعر برميل النفط إلى 200 دولار.
الأضواء، إذاً، ستُسلَّط في الأيام القادمة على حقل بارس للغاز الطبيعي، الذي تتشاركه إيران مع قطر، ويُعدّ أكبر حقل غاز في العالم، بحجم يصل إلى 9600 كيلومتر مربع، أي أقل بقليل من حجم لبنان. وأيضاً ستركّز الأضواء على جزيرة خرج الإيرانية. فما هي أهميتهما الاستراتيجية للمنطقة والعالم، ولماذا هذا التركيز الكبير عليهما؟
حقل بارس
يُعدّ حقل غاز بارس جزءاً من أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم. وتتقاسم إيران هذا الحقل، الواقع قبالة سواحل الخليج، مع قطر التي تُطلق على حصتها اسم “القبة الشمالية”. تبلغ المساحة الإجمالية للحقل نحو 9700 كيلومتر مربع، منها حوالي 3700 كيلومتر مربع ضمن المياه الإيرانية، مقابل نحو 6000 كيلومتر مربع في الجانب القطري. وقد اكتُشف عام 1971، فيما بدأت عمليات الإنتاج منه أواخر الثمانينيات. ويحتوي الحقل بأكمله على ما يُقدَّر بنحو 1800 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخدام، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات العالم لمدة 13 عاماً، وفقاً لما ذكرته وكالة رويترز للأنباء.
يُصنَّف بارس الجنوبي كأضخم مكمن للغاز الطبيعي عالمياً، ما يجعله محوراً رئيسياً في معادلة الطاقة الدولية. ويُعدّ أهم حقل غازي في إيران من بين 43 حقلاً، ويؤمّن نسبة كبيرة من احتياجات البلاد من الغاز، خاصة لتوليد الكهرباء والصناعات.
جزيرة خرج (خارك)
في الموازاة، تُعدّ جزيرة خرج مكمن قوة إيران الاستراتيجي. فهذه الجزيرة، التي تقع على بعد نحو 25 كيلومتراً من الساحل الإيراني، تُعدّ أكبر محطة مفتوحة لتصدير النفط في العالم. ويمكن للجزيرة، التي تبدو من الجو وكأنها منشأة نفطية، تحميل ما يصل إلى 7 ملايين برميل يومياً، بينما يمرّ عبرها ما بين 90 و95% من صادرات إيران النفطية، بسبب ضحالة معظم سواحل البلاد التي لا تستوعب الناقلات العملاقة.
إزاء هذا الواقع الطاقوي المعقّد والمتشابك، أدانت الدول العربية الهجمات على البنية التحتية المرتبطة بحقل بارس الجنوبي. ووصفت الإمارات هذه الهجمات بأنها “تصعيد خطير” يُشكّل تهديداً مباشراً، ليس فقط لإمدادات الطاقة العالمية، بل أيضاً للأمن الإقليمي. كما وصفت قطر الضربات على حقل بارس الجنوبي بأنها “خطوة خطيرة وغير مسؤولة”.
عدا عن حجم الاستثمارات في تطوير حقول النفط والغاز ومنشآتها في الدول العربية، فهي تمثّل مورداً رئيسياً للغاز الطبيعي المسال في العالم. ومن دون هذه الموارد، ستفقد الدول، ولا سيما الأوروبية والآسيوية، الوقود اللازم لتشغيل منشآتها الاقتصادية، ما سيدفع الاقتصاد إلى خضّة أزمة كبيرة.
