يومان كاملان لم تذق فيهما شريحة من المواطنين طعم الإنترنت في بقعة جغرافية من هذا الوطن يُفترض أنها حيوية، إلا لماماً. فـ الاتصالات عبر OGERO أصيبت بـ “العتمة” الرقمية بالتزامن مع انقطاع “كهرباء الدولة”، ولم تكن تعود إلى الضوء في أوقات عشوائية من الليل أو النهار إلا مع عودة التيار. ولأن الأخير حضوره نادر كـ”غيمة صيف”، فُصلت المنطقة عن العالم الرقمي، وتعطلت دروس الطلاب، وتكبّد العاملون عن بعد مبالغ إضافية للسحب عبر 3G من هواتفهم الخليوية، وفقدت أغلبية المواطنين القدرة على الاطلاع على الأخبار السريعة في بلد يجلس على “كف عفريت” الحرب.
ما حصل في هذه المنطقة كان سببه تعطل المولد في أحد سنترالات هيئة إدارة واستثمار منشآت الاتصالات في لبنان، المعروفة بـ OGERO. وبدلاً من حل المشكلة في ساعات قليلة، إن لم نقل دقائق كما يفترض، طالت المعالجة لأيام، وهو الأمر الذي أعادنا إلى محنة الاتصالات في صيف 2021، نتيجة فقدان المازوت في ذروة الانهيار الاقتصادي وأزمة المحروقات.
غياب البدائل
مقابل أسباب رداءة الاتصالات التي لا تُعد ولا تُحصى، يبقى المشترك واحد: عدم وجود البدائل. فالسنترالات المنتشرة في كل المناطق، والتي تغذي شركات الخليوي، تعمل على مولدات “أصبحت بمعظمها متهالكة”، بحسب ما تنقل أوساط القطاع، وتتعرض لأعطال مستمرة في ظل تشغيلها لساعات طويلة نتيجة الانقطاع الطويل للكهرباء العامة. وعلى الرغم من هذا الواقع المستمر منذ سنوات، لم تعمد المؤسسة إلى وضع مولدات إضافية كتدبير احترازي احتياطي (Back Up)؛ فيما ذهب الحديث عن تشغيل هذه السنترالات بالطاقة الشمسية أدراج الرياح. وبحسب المصادر، فإن المولدات القديمة يجري تصليحها سريعاً ووضعها في الأماكن الأقل تأثيراً، ولا يتم شراء مولدات جديدة.
ارتفاع الكلفة
بالإضافة إلى تراجع كفاءة المولدات الخاصة، تتخوف المصادر من أن يؤدي ارتفاع سعر صفيحة المازوت من حدود 13.5 دولار مطلع هذا العام إلى 24 دولاراً راهناً إلى التقنين، حيث قد تعمد السنترالات إلى إطفاء المولدات لساعات لتوفير جزء من الأكلاف، خصوصاً في ظل عجز القدرة على رفع أسعار الخدمات مجدداً، والتي في الأساس تعتبر الأعلى في العالم، مما يفاقم المشكلة ويدفع بقطاع الاتصالات إلى حذو مسار الكهرباء.
الإحتكار سبب كل مشكلة
هذا من حيث الشكل، أما في المضمون فإن الوضع أعمق بما لا يُقاس. فعدم حصول المواطنين على خدمة جيدة بالسعر المناسب مرده احتكار الدولة للقطاع وعدم وجود بدائل. ويكفي تعرض المنشآت العامة إلى ضربات في ظل ما نشهده من حروب تطيح بالأخضر واليابس حتى تنفصل الشبكات عن الخدمة ويصاب الوطن بكارثة، بحسب ما حذر رئيس نقابة العاملين في قطاع الخليوي والاتصالات بول زيتون في بيان، مؤكداً أن هذا القطاع الحيوي ليس ترفاً، بل هو شريان أساسي للحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في البلاد. ودعا زيتون الحكومة إلى “الإسراع فوراً في وضع خطة بديلة جدّية وفعّالة، تشمل إنشاء لجنة طوارئ وطنية، وتوفير حلول تقنية عاجلة تضمن استمرارية الشبكات”.
ستارلينك
عند الحديث عن الحلول البديلة التي يمكن اللجوء إليها لضمان عدم انقطاع الاتصالات، سواء كان سبب الانقطاع ناتجاً عن ضرب الشبكات، أو فقدان المحروقات، أو حتى انقطاع الكوابل البحرية، يبرز خيار ستارلينك (Starlink). فهذه الخدمة المطورة من شركة SpaceX تتوفر عبر الأقمار الصناعية، وتتيح الوصول إلى الإنترنت في حالات الحروب أو الكوارث كونها لا تعتمد على البنية التحتية المحلية، كما تستطيع توفير بديلاً عملياً عند انقطاع الكهرباء أو الاتصالات الأرضية. ولعل أهم ما في هذه الخدمة، ولاسيما في حالة لبنان، تقليل الاحتكار وتحسين المنافسة، مما يضمن جودة الخدمات وخفض الأسعار.
توسيع الاستفادة من الخدمة
وبالفعل، سبق للبنان أن رخص للتعاقد مع ستارلينك عبر الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات، مطلع هذا العام ولمدة عامين قابلة للتجديد. إلا أن الترخيص حصر تقديم الخدمات بالشركات التجارية، من دون السماح للأفراد بالاشتراك. وفي 5 آذار الحالي، أدخل مجلس الوزراء تعديلات على التعاقد، بحيث سمح للإدارات العامة والسفارات والمنظمات غير الحكومية بالاشتراك بالخدمة. لكن هذا التعديل، على أهميته، تشوبه نواقص جوهرية، أهمها:
- ما زال يقتصر على عدد قليل جداً من المستخدمين، ولا يطال المستهلكين العاديين من أفراد وطلاب وكيانات وعاملين عن بعد.
- أتى قبل تجهيز “نقطة الحضور”، المعرف عنها تقنياً POP (Point of Presence)، وهي عبارة عن خوادم تتيح إدارة ومراقبة حركة الاتصالات والتعاون مع الأجهزة الأمنية في حالات محددة وبموجب القوانين.
بعبارة أخرى، فإن “الاتصال عبر ستارلينك راهناً سيكون معمياً وعصيّاً عن التتبع، مما يشكل مخالفة واضحة للقانون المتعلق بالتنصت رقم 140، وللسيادة الرقمية التي تحرص كل دول العالم على حفظها لمنع الأعمال غير المشروعة”، بحسب خبير متخصص في قطاع الاتصالات. ونظراً لعدم قدرة لبنان على إنشاء مركز تحكم داخلي بهذه الخدمة، فقد جرى الاتفاق بربطها بمركز ستارلينك بالعاصمة القطرية الدوحة عبر خادم (Server) يرسل التحديثات للجهات المعنية في الداخل. إلا أنه لغاية 5 آذار، تاريخ اتخاذ القرار بتوسيع خدمات الربط بستارلينك وتفعيلها، لم يكن هذا المركز جاهزاً بعد، ومن المتوقع أن لا يُجهز قبل أيار المقبل بحسب أحسن التقديرات. والمشكلة لا تنحصر باتخذا القرار قبل تجهيز المركز، إنما أيضا قبل ضمان موافقة الأجهزة الأمنية المعنية بفائدته وقدرته على ضبط الاتصالات ومراقبتها.
خطة الطوارئ
كان من الجدير بالحكومة والجهات المعنية الاتفاق على خطة طوارئ رقمية، تحسباً لأسوأ الاحتمالات. فتحييد منشآت الاتصالات وبُنيتها التحتية عن التدمير في حرب العام 2024 لا يعني بالضرورة نجاتها في هذه الحرب، وخصوصاً مع حدتها وتوسعها لتطال اليابسة والبحار، وعدم حماية المنشآت الأكثر حيوية. وعلى الرغم من كون هذا الموضوع كان مطروحاً على طاولة الحكومة السابقة، فقد ظل مجرد شعارات لم تتخذ أي إجراءات جدية لتطبيقها.
للوصول إلى الأمان الرقمي، يجب الانطلاق من عنوان عريض: ضمان عدم انقطاع الاتصالات. ومن هذا العنوان تتفرع مجموعة من الخطوات الإجرائية التنفيذية والوقائية، منها:
- تأمين المولدات ومحروقات كافية لها لفترة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
- تجهيز فرق الصيانة ووضعها على أهبة الاستعداد طوال ساعات النهار والليل.
- فتح شركات الخليوي الشبكات على بعضها البعض، بحيث يمكن للمستخدمين الاعتماد على أي شبكة في حال تعطل الأخرى.
- إنشاء مسارات مؤمّنة للسنترالات وإيصالها ببعضها البعض.
- تجهيز الاتصال بنظام الأقمار الصناعية على صعيد الدولة، وليس الأفراد، في حال انقطاع الكوابل البحرية.
- وضع رؤية واضحة لتفعيل الاتصالات اللاسلكية في حالات التضرر الشديد لضمان استمرار التواصل بين الأفراد والجهات الحكومية والمؤسسات الحيوية.
توسيع ستارلينك ليشمل الإدارات الحكومية بعد الشركات التجارية خطوة مهمة نحو تأمين الأمن الرقمي الوطني، لكنها تبقى ناقصة إذا لم تترافق مع مواءمة القوانين وتمكين الأفراد من الاستفادة من الخدمة. وهنا يكمن السؤال: هل يعود عدم التوسيع إلى ضعف التخطيط وتأمين البنية التحتية، أم أن هناك أسباباً أخرى؟
الإجابة على هذا السؤال ستكون من صلب الأحداث القادمة، ويعتمد على مدى جدية السلطات في التعامل مع قضية الأمان الرقمي وضمان استمرارية الاتصالات لجميع المواطنين، وليس فقط المؤسسات الرسمية. فالوقت لم يعد يحتمل التأجيل، والأمن الرقمي أصبح ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن الأمن المادي والاقتصادي.
