قبل نحو شهر على اندلاع حرب إيران، وتحديدًا في 29 كانون الثاني 2026، وصل سعر أونصة الذهب إلى 5595 دولارًا. وبقدر ما أثار هذا الارتفاع من أسئلة عمّا ينتظر العالم في ظل “هجمة” المستثمرين على أكثر الملاذات أمانًا، بقدر ما حفّز على الشراء. فكل التوقعات كانت تشير إلى إمكانية استمرار الارتفاع، وأن أي حركة تصحيحية لن تهبط بالسعر دراماتيكيًا، مع ترقّب الأسواق حتمية تخفيض الفائدة الأميركية.
موجة التفاؤل التي ضربت رصيف الأسواق الجاف المتعطّش للربح لم تدم طويلًا. فما هي إلا أيام حتى أخذ الذهب بالتذبذب، متأثرًا بتسمية الرئيس الأميركي كيفين وارش لخلافة جيروم باول في الفيدرالي. ووارش، المعروف باتباعه السياسات التشددية، أثار قلق الأسواق من عدم إمكانية تخفيض الفائدة، مما دعم العملة الأميركية وقلّل من جاذبية الذهب. ومن المعروف أن ارتفاع الدولار يزيد من تكلفة الذهب بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، الأمر الذي يعني أن ارتفاع سعر صرف الدولار يقلّل من جاذبية الذهب. هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد ذهب المحللون في تفسير تراجع الأسعار إلى محاولة المستثمرين جني الأرباح عقب الارتفاع السريع، ما دفعهم إلى إعادة تقييم مراكزهم وتقليص انكشافهم على المخاطر.
الحرب والذهب
التراجعات في أسعار الذهب، التي ظلّت مقبولة، بدأت تخرج عن المألوف مع اندلاع المواجهة بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ففي 3 آذار، أي بعد 3 أيام فقط على اندلاع حرب إيران، تراجع سعر الذهب من 5400 دولار إلى 5037 دولارًا في اختتام تعاملات ذلك اليوم. واستمر هذا التراجع الدراماتيكي حتى وصل، في 19 آذار الحالي، إلى 4596 دولارًا، عقب تثبيت الفيدرالي الأميركي والمركزي الأوروبي الفائدة. وبلغت نسبة التراجع من أعلى مستوى وصله 22%، وبقيمة تقارب 1000 دولار للأونصة الواحدة.

كيف يتحرك الذهب؟
خلافًا لما يعتقده الكثيرون، فإن تحركات أسعار الذهب ليست عبثية، إنما مبنية على مجموعة من العوامل الجوهرية التي يتفاعل معها المستثمرون، وأبرزها:
- مستويات الفائدة، ولا سيما الأميركية، والتي ترتبط بعلاقة عكسية مع الذهب؛ فكلما ارتفعت قلّ سعره، والعكس صحيح.
- التضخم، والذي ينذر ارتفاعه باتجاه المصارف المركزية إلى اعتماد سياسة تشددية، وبالتالي التوقع برفع أسعار الفائدة. وقد أظهر مؤشر أسعار المنتجين الأميركي ارتفاعًا إلى 3.2% مقابل توقعات عند 2.9% بحسب آخر المعطيات.
- ارتفاع أسعار الفائدة وزيادة معدلات التضخم الناتجة أساسًا عن ارتفاع أسعار المحروقات يدفعان المستثمرين نحو سندات الدين الحكومية، ولا سيما الأميركية، كونها تدر عائدًا بخلاف الذهب.
- التراجعات في الأسهم تدفع المستثمرين إلى تسييل الذهب من محافظهم للحصول على النقد.
لعل أخطر ما تواجهه الأسواق هو اعتقاد المحللين بأن المعدن الأصفر الثمين لم يعد يتحرك كملاذ آمن تقليدي. ويرى دانيال بافيلونيس، محلل واستراتيجي أسواق السلع في (RJO Futures)، في حديث إلى “سي إن إن”، أن العلاقة بين الطاقة وعوائد السندات أصبحت العامل الحاسم، وأن ارتفاع عائد السندات لأجل 10 سنوات يضغط مباشرة على الذهب، كما أن صعود النفط لا يدعم الذهب كما كان في السابق، بل قد يؤدي إلى بيعه. ويضيف أن الأسواق قد تنزلق إلى حلقة متكررة من التفاعلات المتشابكة، تبدأ بارتفاع أسعار النفط، ما يدفع عوائد السندات إلى الصعود، وهو ما يضغط بدوره على الذهب والأسهم ويدفعهما إلى التراجع، قبل أن تشهد الأسواق ارتدادًا مؤقتًا لا يلبث أن يتبعه تجدد موجات البيع، في دورة تعكس حالة من عدم الاستقرار وغياب الاتجاه الواضح.
ما هو مستقبل أسعار الذهب؟
التغيرات الجيوسياسية، وحركة الأسواق، وواقع العملات، عوامل ستحدد مستقبل أسعار الذهب في الأيام المقبلة، بناءً على ثلاثة سيناريوهات أساسية:
- سيناريو الاستقرار، مع إمكانية أن تشهد الأسعار ارتفاعات محدودة عند مستوى 5000 – 5200 دولار للأونصة، في حال عدم توسّع حرب إيران وتأمين النقل من مضيق هرمز، ما من شأنه أن يحدّ من ارتفاع أسعار المحروقات ويقلّص التضخم في الدول الصناعية.
- سيناريو تفاقم الحرب وزيادة حدتها، وهو ما من شأنه زيادة الضغط على البنى التحتية والاستثمارات في دول المنطقة، وإقفال المزيد من حقول النفط وتعطيل الإمدادات بشكل كبير. وفي هذه الحالة، من المتوقع أن يلجأ المستثمرون، وحتى الدول، إلى تسييل احتياطيات الذهب لتوفير السيولة الفورية، ما يؤدي إلى موجة بيع جماعية تضغط على الذهب وتدفعه للانخفاض إلى حدود 4200 دولار، بحسب التوقعات.
- سيناريو متفائل، ويرتبط بانتهاء الحرب خلال أيام قليلة، وعودة فتح مضيق هرمز، واستئناف تصدير النفط وحركة التجارة، مع توقع الأسواق عودة المصارف المركزية إلى خفض أسعار الفائدة، ما سينعش الأسواق ويعيد الطلب على المعدن الأصفر، ليرتفع سعره مجددًا، دون استبعاد أن يتراوح بين 5600 و5800 دولار في نهاية العام الحالي.
في الوقت الذي رأى فيه مجلس الذهب العالمي أن الطلب الرسمي لا يزال قويًا، لكنه قد لا يكون كافيًا لامتصاص موجات البيع الناتجة عن ضغوط السيولة، اعتبر محللو “غولدمان ساكس” أن الذهب لا يزال مدعومًا على المدى المتوسط بفعل مشتريات البنوك المركزية، مع التحذير من تصحيحات حادة على المدى القصير نتيجة ارتفاع الفائدة. وفي السياق نفسه، أشارت “جيه بي مورغان” إلى أن استمرار التضخم المرتبط بالطاقة قد يُبقي الأسعار في حالة تذبذب، مع ميل هبوطي إذا واصلت عوائد السندات ارتفاعها.
مرة جديد تعود الأسواق لتثبت أنها لا تخضع للرغبات ولا للتوقعات السائدة، بل لمنطق أكثر تعقيدًا تحكمه السيولة والتوازنات الكبرى. ففي الوقت الذي راهن فيه كثيرون على صعود الذهب كملاذ آمن في زمن الحروب، جاءت الوقائع معاكسة تمامًا، لتؤكد أن “الأمان” في الأسواق ليس صفة ثابتة، بل سلوك متحوّل يتبدل بتبدل المصالح والظروف.
