في واشنطن، تدور معركة من نوع آخر؛ معركة على الأرقام و التمويل بين دونالد ترامب ووزير دفاعه من جهة، ومعظم النواب الديمقراطيين وجزء من الجمهوريين من جهة أخرى، في ظل تصاعد كلفة الحرب على إيران وتراجع الدعم السياسي والشعبي لها.
ففي الوقت الذي تستنزف فيه هذه الحرب الخزانة الأميركية بما يتراوح بين مليار وملياري دولار يوميًا، أقدمت إدارة ترامب على طلب تمويل إضافي ضخم يتجاوز 200 مليار دولار لمواصلة العمليات، في حرب تبدو حتى الآن من دون أفق واضح. هذا الرقم أثار صدمة داخل الأوساط السياسية، ليس فقط بسبب حجمه، بل أيضًا بسبب توقيته، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.
طلب التمويل لم يصل بعد عبر القنوات الرسمية إلى الكونغرس، ما يثير تساؤلات قانونية حول آلية إقراره. وحتى لو تم تقديمه رسميًا، فإنه سيواجه تدقيقًا شديدًا، خصوصًا أن الكونغرس كان قد أقر سابقًا موازنة دفاع قياسية لعام 2026 بلغت نحو 840 مليار دولار. كما أُضيفت إليها تمويلات كبيرة في السابق، ما يجعل طلبًا جديدًا بهذا الحجم موضع تشكيك واسع.
وتزداد حدة الانتقادات عند مقارنته بحجم الدين الأميركي الذي تجاوز 39 تريليون دولار، بالتزامن مع تخفيضات طالت قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والبرامج الاجتماعية، ما يعزز الانطباع بعدم توازن الأولويات المالية.
رفض ديمقراطي شبه مطلق
سياسيًا، يواجه طلب التمويل الإضافي معارضة واسعة. الديمقراطيون يقفون في الصف الأول لرفضه، معتبرين أن من يعارض الحرب لا يمكنه دعم تمويلها. النائبة براميلا جايابال عبّرت بوضوح عن هذا الموقف، قائلة «لقد سمعنا للتو أن البنتاغون يقدم طلباً للحصول على 200 مليار دولار إضافية لهذه الحرب. كيف بحق السماء سندفع ثمن ذلك؟ هذا أمر سخيف للغاية».
بدوره، شدد السيناتور الديمقراضي كريس فان هولن على أن « الطلب يجب أن يكون غير قابل للنقاش: “أفضل طريقة لإنهاء هذه الحرب، وحماية قواتنا، وإنقاذ أرواح المدنيين، وكبح جماح إدارة غير ملتزمة بالقانون هي قطع التمويل. أنا أرفض ذلك رفضاً قاطعاً».
وتردد جمهوري
أما داخل الحزب الجمهوري، فرغم الدعم التقليدي للرئيس، بدأت تظهر ملامح تردد، حيث دعت السيناتور سوزان كولينز إلى عقد جلسة استماع علنية لمناقشة هذا الطلب، في مؤشر إلى غياب الإجماع حتى داخل المعسكر المؤيد.
على صعيد الرأي العام، تبدو الصورة أكثر وضوحًا؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن واحدًا فقط من كل أربعة أميركيين يؤيد هذه الحرب، ما يعكس فجوة متزايدة بين القرار السياسي والمزاج الشعبي.
بين أرقام تتصاعد ومعارضة تتسع، لا تبدو هذه المعركة مالية فقط، بل اقتصادية بامتياز، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من واشنطن. فكل مليار يُنفق على الحرب قدي يطيل أمدها، وينعكس ضغطًا إضافيًا على الأسواق العالمية، ويدفع بأسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع، ما يعني عمليًا كلفة أعلى على المستهلكين حول العالم. ومع ارتفاع أسعار المحروقات وتزايد أعباء المعيشة، قد يجد المواطن الأميركي نفسه، كما غيره، يدفع ثمن حرب لا يؤيدها، في مفارقة تختصر مأزق السياسة والاقتصاد معًا.
