تتصدّر أسعار النفط المشهدَ الاقتصادي العالمي في ظل التطورات الأخيرة المتسارعة، إذ رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن النفط الإيراني لمدة ثلاثين يوماً، في خطوة يُتوقع أن تضخّ نحو 140 مليون برميل في الأسواق، وتُعوّض التراجع الذي شهده مرور اثني عشر مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز. وفي السياق ذاته، أعلنت شركة تشاب للتأمين عن تغطية مخاطر الحرب للسفن العابرة بالمضيق، فيما رصدت مؤسسة التمويل الدولي للتنمية عشرين مليار دولار ضمن خطة لتأمين تلك السفن. كما وافقت إيران على السماح بعبور شحنات النفط المخصصة لليابان استناداً إلى الاتفاق المبرم.
تتّسم أسعار النفط بتقلبات حادة في المرحلة الراهنة، غير أن الكميات المتاحة للضخ في السوق تبقى ضخمة، إذ يعبر مضيق هرمز يومياً نحو عشرين مليون برميل. وتُشير التقديرات إلى أن إيران ستُفرج عن 140 مليون برميل مخزّنة في البحر، فضلاً عن 400 مليون برميل أعلنت عنها وكالة الطاقة الدولية، ومئة مليون برميل إضافية أعلنتها روسيا إثر رفع بعض العقوبات عنها. ويُعادل مجموع هذه الكميات نحو شهر كامل من إنتاج النفط المار بمضيق هرمز. ويرى المحللون أن تأثير هذه الإجراءات في الأسعار سيظل محدوداً، إذ تبقى الأسعار مرتبطة بالتوقعات المستقبلية؛ فما دامت الأسواق تتوقع استمرار الحرب، ستظل الأسعار في مسارها التصاعدي، وليس من المرجّح أن تتراجع إلى ما دون مئة دولار إلا إذا اقتنعت الأسواق فعلياً باقتراب نهاية النزاع.
ميزانية مصرف لبنان النصف شهرية: مؤشرات تكشف التداعيات
كشفت الميزانية النصف شهرية لمصرف لبنان، الممتدة بين أواخر شباط والخامس عشر من آذار، أي قُبيل اندلاع الحرب وبعد خمسة عشر يوماً منها، عن جملة من التطورات اللافتة. سجّل الاحتياطي الذهبي تراجعاً بنحو 800 مليون دولار، إذ انخفضت احتياطيات مصرف لبنان من 47 ملياراً و750 مليون دولار إلى نحو 46 ملياراً و952 مليون دولار. وتراجع احتياطي العملات الأجنبية بنحو 212 مليون دولار ليبلغ 11 ملياراً و670 مليون دولار. أما على صعيد الخصوم، فتقلّصت الكتلة النقدية المتداولة من نحو 69 ألف مليار ليرة إلى 67 ألف مليار ليرة. في المقابل، ارتفعت ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان من 9 مليارات و200 مليون دولار إلى 9 مليارات و290 مليون دولار.
دلالات انخفاض الكتلة النقدية
يعكس انخفاض الكتلة النقدية بنحو تريليونَي ليرة حالةً من التحوّط لدى الأسواق جرّاء الحرب، تدفعها نحو الطلب المتزايد على الدولار. تلجأ الأسواق إلى مصرف لبنان أو الصرافين لاستبدال الليرة بالدولار، مما يُفضي إلى تآكل احتياطيات المصرف من العملات الأجنبية. ويكشف هذا الواقع أن ارتفاع ودائع الحكومة اللبنانية لدى مصرف لبنان لا يكفي وحده لطمأنة الأسواق، ولا يُخفّف من حدة هذا التحوط.
المودعون يدفعون ثمن الأزمة مجدداً
يثير المشهد الراهن قلقاً عميقاً إزاء إعادة تحميل المودعين كلفة الأزمات، إذ بلغ تراجع احتياطي العملات الأجنبية 212 مليون دولار في فترة وجيزة، وهي أموال تُمثّل ما تبقّى من ودائع المودعين. يعني ذلك العودة إلى النهج ذاته الذي جرى فيه تمويل الحروب وسلسلة الرتب والرواتب من أموال المودعين. وكان مجلس الوزراء قد أقرّ قانون الفجوة المصرفية، ووصفت الجهات الرسمية حينها الأموال المُفرج عنها بأنها غنيمة مؤقتة. واليوم، تتكرر الصورة ذاتها، إذ تتّجه مخصصات إلى سلسلة الرتب وتمويل الحرب، في حين يدفع المودعون الثمن مرة أخرى.
احتياطي الذهب: حصن محميّ لا يُباع
تملك لبنان 286 طناً من الذهب تُعادل نحو 9 ملايين و221 ألف أونصة. وقد شهد سعر الأونصة تراجعاً بنحو ألف دولار منذ الثاني والعشرين من كانون الثاني. يرفض المحللون الاقتصاديون المنطق القائل ببيع الاحتياطي الذهبي في توقيت معين لتحقيق مكاسب آنية، إذ إن المضاربة على الذهب تنطوي على مخاطر عالية؛ فالمستثمرون الذين باعوا ذهبهم لشراء النفط حين كان يرتفع سيضطرون لاحقاً إلى بيع النفط لإعادة شراء الذهب. أضف إلى ذلك أن سندات الخزينة الأمريكية باتت تُدرّ عائداً بلغ 4.5% مقارنةً بنصف بالمئة قبل الحرب، مما يدفع بعض المستثمرين إلى التخلي عن الذهب لصالح هذه السندات. بيد أن هذه التحولات تبقى ظاهرة قصيرة الأمد، وما إن تهدأ الحرب حتى تعود الأسواق إلى الذهب من جديد. يبقى الذهب اللبناني محمياً بالقانون، وتُحذّر التحليلات من استخدامه لأغراض لا تصبّ في مصلحة المودعين الذين خسروا ودائعهم.
الذهب اللبناني في السياق المقارن
تُظهر المقارنة الدولية أن نسبة احتياطي الذهب اللبناني إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت 134%، وهي نسبة استثنائية لا نظير لها على مستوى العالم. في المقابل، تبلغ هذه النسبة في الجزائر 10%، وفي قطر 8%، وفي مصر 5%، وفي الهند 3%، وفي البرازيل 1%. ويُعزى هذا الارتفاع الحاد في النسبة اللبنانية إلى عاملين رئيسيين: أولهما الانهيار الحاد في الناتج المحلي الإجمالي الذي تراجع من نحو 56 ملياراً قبل الأزمة إلى ما بين 20 و35 مليار دولار، وثانيهما الارتفاع الكبير في الأسعار العالمية للذهب.
التحذير من توظيف الذهب لتمويل الإنفاق العام
يُحذّر المحللون من أن أي حديث عن استخدام الذهب “لخدمة الاقتصاد” قد ينتهي بتوظيفه لتمويل عجز الموازنة، أو دعم سعر الصرف، أو تغطية سياسات الدعم ذاتها التي أفضت إلى الأزمة، تماماً كما جرى استنزاف ودائع المودعين من قبل. ولا يكفي استبدال ودائع المودعين بالذهب ما لم تتغيّر البنية الجوهرية للإنفاق العام؛ فالقطاع الخاص خاض منذ الأزمة إعادة هيكلة عميقة، فيما ظل القطاع العام على حاله دون أن يُسرَّح موظف واحد على الرغم من الترهل الواضح في كوادره. تُشكّل إصلاحات القطاع العام الشرط الجوهري لأي مسار مستدام، ويُقدَّر أن تخفيض عدد موظفيه إلى النصف يُمثّل حداً أدنى لا غنى عنه لتفادي تبديد الذهب كما بُدِّدت الودائع من قبل.
آليات استخدام الذهب بصورة رشيدة
تُتاح نظرياً عدة مقاربات لاستثمار الذهب دون اللجوء إلى بيعه، منها: وضع جزء منه في صندوق ائتماني محمي قانونياً تحت إشراف مستقل، أو إصدار أوراق مالية مدعومة بأصول مرتبطة بميزانية مصرف لبنان، لتكون الاحتياطيات الذهبية ركيزةً للمصداقية لا مصدراً للإنفاق. غير أن لكل هذه الأدوات مخاطرها؛ فإصدار أوراق مالية مغطاة بالذهب يعني أن أي تعثّر في السداد يستدعي التنازل عن الذهب المرهون. والأجدى من ذلك توظيفُ الذهب ضمن نظام مجلس العملة (Currency Board)، إذ يُخصَّص جزء منه لتغطية الليرة اللبنانية، مما يُقلّص الضغط على احتياطيات الدولار، ويُريح المصرف المركزي من عبء إدارة سعر الصرف، ليتفرّغ لمهمة الأساس المتمثلة في إعادة هيكلة القطاع المصرفي.