عرجت الكهرباء.. “من شفّتها”

الكهرباء

وجدت مؤسسة الكهرباء، في ظل حرب إيران، ضالّتها لتبرير العجز عن زيادة الإنتاج ورفع ساعات التغذية. وبحسب ما نُقل عن مصادر معنية، فإن المؤسسة ستكون أمام أحد خيارين: إمّا العودة إلى التقنين القاسي، بعد إخراج مجموعات من الخدمة وتخفيض الإنتاج إلى ما دون 450 ميغاواط، بما يضمن إطالة أمد المخزون وعدم انقطاع الكهرباء عن المرافق الحيوية، وفي مقدمتها المطار؛ أو رفع التعرفة بما يعوّض ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وانقطاع الجباية في مناطق واسعة.

تحجّج مؤسسة الكهرباء بارتفاع أسعار النفط عالميًا وتراجع الجباية في المناطق المهجّرة، لتبرير زيادة ساعات التقنين، يشبه المثل القائل ” حجّة الرقاصة الفكحة، الأرض مايلة”. فسبب الفشل في الحالتين، ليس الظرف، إنما العلة الموجودة في الجهات المعنية بتقديم الخدمة أو العرض.

سعر النفط أقل من كلفة الانتاج

لم تنجح مؤسسة كهرباء لبنان في زيادة ساعات التغذية، عقب رفع التعرفة أكثر من 150 ضعفًا (على سعر صرف 89,500 ليرة مقابل الدولار)، من 0.001 سنتًا إلى 27 سنتًا، وذلك على الرغم من الانخفاض المتواصل في أسعار النفط، الذي وصل في نيسان 2025 إلى 63 دولارًا. ولم تتجاوز ساعات التغذية في مختلف المناطق اللبنانية 6 ساعات يوميًا، في أحسن الأحوال.

في مقابل زيادة التعرفة، كانت نسبة الهدرَين الفني وغير الفني تتزايد، وقد تجاوزت 50%، بحسب أحسن التقديرات. وإذا ما أُضيف هذا الهدر الفاضح إلى تخلّف القطاع العام عن سداد موجباته، التي تتجاوز 250 مليون دولار، وغياب الشفافية والحوكمة الرشيدة عن ميزانية المؤسسة، واستمرار رزوحها تحت العجز بسبب الهدر وزيادة الإنفاق، فإن كل أموال الجباية لن تكفي لشراء الفيول لتشغيل ربع المعامل.

هذا من حيث الشكل، أما في المضمون، فإن تعرفة الكهرباء موضوعة، بالأصل، في خطة الطوارئ لعام 2022، على أساس سعر 110 دولارات لخام برنت، فيما انخفض السعر اليوم، عند كتابة هذه السطور، إلى 94 دولارًا. وعليه، يُفترض بمؤسسة الكهرباء أن تكون قادرة على رفع قدرتها الإنتاجية إلى المستوى الذي يحقق لها ربحًا، طالما أن سعر النفط لا يتجاوز 110 دولارات. وحتى في حال الوصول إلى السعر الأقصى لفترة أطول، يُفترض أن يتعادل المردود مع الكلفة التشغيلية، بما يمكّن المؤسسة من الاستمرار في تقديم الخدمة من دون رفع التعرفة أو زيادة التقنين.

الاحتكار سبب المشكلة

غياب المبرر العقلاني أو المنطقي لزيادة التقنين أو رفع التعرفة، يُقابَل بـ”منطق أعوج” يصرّ على الإبقاء على مؤسسة كهرباء لبنان كاحتكار لإنتاج ونقل وتوزيع الطاقة، رغم فشل التجربة، تقول المتخصصة في شؤون الطاقة لوري هايتايان. وعلى الرغم من محاولات إشراك القطاع الخاص في الإنتاج من مصادر الطاقة النظيفة، عبر 11 رخصة لإنتاج ما يقرب من 150 ميغاواط، فإن هذه المحاولة لم تبقَ حبرًا على ورق فحسب، بل يحيط بها الغموض لجهة العلاقة مع مؤسسة الكهرباء، ومن المرجّح أن تكرّس الاحتكار بدل أن تفتح السوق أمام المنافسة. وبرأي هايتايان، فإن الحل الوحيد للخروج من مأزق الكهرباء هو “الترخيص لعدد من المؤسسات، يتحدد عددها وحجمها بحسب الحاجات في المدن والمناطق، لإنتاج وتوزيع الكهرباء”. والأهم، برأيها، هو وقف التبرير لاحتكار مؤسسة كهرباء لبنان، والتلطّي خلف شبح التقسيم لمنع إدخال القطاع الخاص وتعزيز المنافسة في القطاع. “فهذه تُسمّى لامركزية الطاقة، وليس تقسيمًا”، تصرّ هايتايان.

نقل الأعباء

العودة إلى نهج رفع التعرفة لزيادة العائدات تشبه “لحس المبرد”، بحسب المسؤول عن ملف الطاقة في الحزب التقدمي الاشتراكي، المهندس محمد بصبوص. وهو ما يعني، باختصار، تحميل الملتزمين بسداد الفواتير عبء المتخلّفين عن الدفع، بغضّ النظر عن الأسباب، كما حصل عند رفع التعرفة إلى 27 سنتًا، مع ما رافقها من رسوم عدّاد واشتراكات. ولتغطية الهدر، الذي يتراوح بين 45% و50%، جرى رفع التعرفة إلى ضعف الكلفة التشغيلية، التي يُفترض أن تكون بحدود 15 سنتًا كحدّ أقصى لإنتاج الكيلوواط ساعة. وفي حال استنساخ التجربة، سترتفع نسبة الهدر مجددًا، وسيتحمّل غير المتهرّبين أعباء إضافية من دون أن تتأمّن الكهرباء.

“غول” لا يشبع

“الهدر كبير، والفساد مستشرٍ، وسوء الإدارة قادر على حرق أي مليارات جديدة من الدولارات، من دون أن يرفّ جفن للمسؤولين عنها والقيّمين عليها”، يعلّق المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة، والباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق (LIMS)، غسان بيضون، مضيفًا: “ولن يتورّعوا عن التسبب بانهيار مالي جديد، كما حصل في الماضي”.

دور الهيئة الناظمة

إزاء هذا الواقع، يبرز السؤال عن موقف الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء. فهذه الهيئة، التي شكّلت في أيلول 2025، لم تبدأ عملها بعد. وكما يُفقد البشر البدر في الليل الظلماء، يسأل المهندس محمد بصبوص عن استلام الهيئة زمام الأمور، ولا سيما أن التسعير يقع ضمن صلب صلاحياتها، إضافة إلى دورها المحوري والأساسي في فتح السوق أمام المنافسة، ومنح التراخيص لدخول القطاع الخاص في الإنتاج والتوزيع، والشراكة في النقل في المرحلة الأولى. وإذا كان للهيئة دور مهم، فيجب أن يكون راهنًا لخروج لبنان من خنقة انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعارها.

“حلوا عن ضهر القطاع والناس”، يقول بيضون، “زاتركوهم مع البلديات يحلوا مشكلة الكهرباء بالاعتماد على الطاقة الشمسية في اطار لا مركزية الانتاج والتوزيع”.

العلة في احتكار الكهرباء، والتحجج بارتفاع أسعار النفط والتطورات الجيوسياسية والمحلية، هي أعذار واهية تختلق أسبابًا بعيدة تمامًا عن الواقع للتهرّب من المسؤولية؛ كعندما “يعرج الجمل من شفته”، إذ لا علاقة لشفاة الجمل بعرجته.