تُشكّل أسعار المحروقات اليوم هاجساً يومياً يؤرّق المواطن اللبناني، إذ باتت كلفة صفيحة البنزين وقنينة الغاز تنعكس سلباً على جميع مناحي الحياة. يستغل بعض التجار والمحتكرين هذه الأزمة فيرفعون الأسعار بشكل عشوائي لا تبرره المعطيات الموضوعية. تتصاعد في هذا الإطار جملة من التساؤلات حول السيناريوهات المرتقبة لأسعار النفط خلال المرحلة المقبلة، والمسارات البديلة التي يمكن اعتمادها، وجدوى إعادة تفعيل خط أنابيب النفط من كركوك إلى طرابلس.
تجدر الإشارة بداية إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ولا سيما الضغط على مضيق هرمز، تؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن البحري وبوالص التأمين، مما ينعكس بدوره على أسعار البضائع. غير أن ارتفاع كلفة الشحن لا يمثّل في حد ذاته سوى جزء محدود من السعر الإجمالي للسلعة، وفق ما يؤكده نقيب المستوردين. يُضاف إلى ذلك ارتفاع كلفة التصنيع في بلد المنشأ المرتبطة بأسعار المحروقات، فضلاً عن تكاليف الإدارة والتوزيع، وهي عوامل تتراكم معاً لترفع السعر النهائي.
يسعى التجار في ظل الأزمة إلى البيع لا لتحقيق الربح فحسب، بل لضمان قدرتهم على إعادة الشراء والحفاظ على رأسمالهم، مما يدفعهم إلى رفع هامش الربح استباقاً للتضخم. يرجّح أن تعود الأسعار إلى الانخفاض فور انتهاء الأعمال العسكرية، إلا أن ذلك مشروط بتوقف التوترات المتصاعدة في المنطقة.
تبقى المشكلة الأساسية في لبنان ذات طابع هيكلي داخلي بالدرجة الأولى، لا خارجي. تعود جذور هذه المشكلة إلى السياسات الاقتصادية المتبعة منذ عقود، والتي تجلّت بأسوأ صورها عام 2019 ولا تزال تداعياتها مستمرة. تكشف هذه السياسات عن خلل عميق يتمثل في اعتماد نموذج اقتصادي يُثقل كاهل المواطنين كافة، باستثناء فئات محدودة مستفيدة من النظام القائم.
تُجسّد الزيادة التي أضافتها الحكومة على صفيحة البنزين، والبالغة ثلاثمئة ألف ليرة، نتيجةً حتمية للتضخم المركّب في بلد يعاني أصلاً من تآكل متسارع في القدرة الشرائية. ويرى المختصون أن إلغاء هذه الزيادة سيكون ذا أثر إيجابي، كون التخفيف من عبء المواطن يفوق ما قد تستجلبه الدولة من إيرادات. يُستدل على ذلك بأن الزيادة المطلوبة لمرافقة رواتب الموظفين استُقطعت من المواطن نفسه في نهاية المطاف، في ظل ارتفاع شامل لكلفة المعيشة.
تشكو الحكومة من حاجتها الماسة إلى إيرادات، إلا أن الحل الأجدى يكمن في تخفيف النفقات لا في زيادة الضرائب. يُثبت علم الاقتصاد من خلال ما يُعرف بـ”منحنى لافر” أن رفع معدلات الضريبة قد يؤدي فعلياً إلى تراجع الجباية الفعلية. يستوجب النهوض الاقتصادي تخفيض الضرائب لتحفيز النمو، ومن ثمّ تحقيق عائدات أكبر للخزينة على المدى البعيد.
يمتلك القطاع العام في لبنان ما يزيد على ثلاثمئة وخمسين ألف موظف، وهو عدد يفوق ما هو موجود في دول تبلغ أعداد سكانها أضعاف لبنان. تستنزف الرواتب وحدها أكثر من ستين في المئة من الموازنة العامة، في حين تعاني مؤسسات الدولة من نقص في الكفاءات الفعلية. يستلزم الإصلاح الحقيقي تقليص حجم القطاع العام، وضمان أن يتساوى المواطنون جميعاً أمام القانون دون استثناء لفئة على حساب أخرى.
تعتمد الدول المستهلكة للنفط في أوقات الأزمات على مخزون استراتيجي يُقدّر عادة بما يكفي لإمداد السوق المحلية بين ستين وتسعين يوماً، وذلك لمواجهة انقطاع الإمدادات أو شحّها. يفتقر لبنان افتقاراً تاماً إلى هذا المخزون الاستراتيجي، كما يخلو من أي خطة منهجية للتعامل مع أزمات المحروقات، مما يجعله عرضة للتأثر الفوري بأي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية.
تمر نحو عشرين في المئة من إجمالي التجارة البحرية العالمية بالمحروقات عبر مضيق هرمز، ومن ثمّ فإن أي توترات في هذا الممر المائي الحيوي تُفضي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً. يتضرر لبنان بوصفه دولة مستوردة بالكامل من أي ارتفاع في أسعار النفط، وذلك بصورة فورية ومباشرة.
تُشير المعطيات إلى أن ما يقارب تسعين في المئة من النفط المُصدَّر عبر مضيق هرمز يتجه إلى دول آسيا، كاليابان والصين وكوريا الجنوبية، بينما لا تتجاوز حصة أوروبا خمسة عشر في المئة، وتبقى حصة الولايات المتحدة أدنى من ذلك بكثير. يستتبع ذلك أن أي إغلاق للمضيق لن يؤثر في أوروبا إلا بنسبة محدودة، ولن يمس الاقتصاد الأمريكي بشكل جوهري، غير أن تداعياته ستكون بالغة الأثر على اقتصادات آسيا الكبرى.
لا تعود جذور الحرب الدائرة في المنطقة إلى النفط بشكل مباشر، بل تتصل بمساعي الهيمنة الجيوسياسية وترتيبات النظام الدولي. تنبثق عن هذا النزاع تداعيات اقتصادية جسيمة تطال لبنان والدول المجاورة على حدٍّ سواء، من الأردن إلى تركيا وسوريا. يتحمّل لبنان أعباءً مضاعفة، كونه بات يواجه تداعيات الحرب الإقليمية فوق أزماته الهيكلية المتراكمة.
يرتكز تسعير المحروقات في لبنان على معدل وسطي لأسعار السوق الدولية يمتد لخمسة أيام، مع مراعاة عوامل ثابتة ومتحركة تشمل الجعالة وتكاليف الشحن. يُفسّر هذا الآلية لماذا لا تعكس الأسعار المحلية التقلبات اليومية في الأسواق الدولية بصورة آنية.
يبقى خيار إعادة تفعيل خط أنابيب كركوك – طرابلس مجرد طرح فكري في الوقت الراهن، إذ يستلزم تحقيقه سلسلة من التوافقات السياسية المعقدة بين العراق وسوريا، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل التوترات القائمة بين نظامين سياسيين متباينين.
تكشف تجارب الدعم الحكومي السابقة، ومحاولات تثبيت الأسعار، وضبط سعر الصرف، أن النتائج كانت عكسية في معظم الأحيان، وأفضت إلى تعميق الأزمة لا معالجتها. يستدعي الخروج من هذا المأزق اعتماد إصلاح اقتصادي بنيوي حقيقي يرسّخ اقتصاد السوق الحر، ويصون حقوق الملكية، ويُسهم في نمو مستدام يعود بالنفع على جميع اللبنانيين دون استثناء.
تُمثّل الطاقة المتجددة مساراً بديلاً جديراً بالاهتمام على المدى المتوسط، من شأنه التخفيف من الاعتماد على المحروقات المستوردة، غير أن تحقيقه يستلزم وقتاً ووقاراً سياسياً لا تتوفر شروطه في المرحلة الراهنة.
يتضح في نهاية المطاف أن الأثر الحقيقي لارتفاع أسعار المحروقات يتوقف توقفاً جوهرياً على مستوى دخل المواطن. يتحمّل صاحب الدخل المرتفع عبء الارتفاع بيسر، في حين يُشكّل هذا الارتفاع ذاته معاناة حقيقية لمن يقتات على دخل لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات. يتمثّل الحل الجذري إذن في النمو الاقتصادي الذي يرفع مستوى معيشة المواطن، لا في إجراءات ظرفية محدودة التأثير.