يسأل أحد المغتربين شقيقه في لبنان عن الوضع، فيرسل له مقطع فيديو صامت بالأبيض والأسود عن شخص يحاول النجاة بحياته من تتابع المشكلات. وإذ به لا يكاد يخرج من جورة حتى يقع في أخرى، وكل ما يحتمي به ينقلب ضده. أكثريتنا شاهدت هذا المقطع المتهكم وضحكت، إلا أنه، خلافًا لما اعتقدناه بأنه يلخص صعوباتنا، فهو ينطبق “حفرا وتنزيلا” على الاقتصاد.
باختصار، ومن دون “تفلسف” كما يقال، فإن الاقتصاد هو علم يدرس كيف يدير الأفراد والدول الموارد المحدودة لتلبية الحاجات غير المحدودة. والمشكلة أن الحاجات غير المحدودة، التي ترجمها استيراد بقيمة 21.5 مليار دولار العام الماضي، من أصل ناتج لا يتجاوز 38 مليار دولار بأحسن التقديرات، وارتفاع مضطرد في الدين يتجاوز 132 مليار دولار، وفقر متعدد الأبعاد يطال 70% من المقيمين… يقابلها استنزاف للموارد المتاحة.
خسائر الحرب
لبنان، الذي عجز عن تعويض خسائر حرب الإسناد في العام 2024، أُدخل منذ 2 آذار الحالي في حرب جديدة أكثر شراسة. والخسائر التي وصلت في الحرب الماضية إلى 14 مليار دولار، بحسب “التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان” الصادر عن البنك الدولي، ستتضاعف في غضون أشهر قليلة، ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الخسائر المسجلة بالممتلكات طيلة العام 2025، وما رافقها من تعطل للإنتاج في العديد من المناطق. وقتها قدّر البنك الدولي أن الخسائر بالأصول وصلت إلى 6.8 مليار دولار، الجزء الأكبر منها سجل في شهري أيلول وتشرين الأول 2024، نتيجة اشتداد الضربات على الجنوب واستهداف بيروت والنزوح الكثيف، وهو كما يحصل راهنًا. وعليه، يمكن التقدير أن الخسائر المادية بآذار الحالي ستصل إلى 3 مليارات دولار وتتضاعف كل شهر إذا استمرت على هذا المنوال.
أما الخسائر غير المباشرة فستبدأ بالظهور تباعًا مع تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض الإيرادات العامة وضعف التدفقات النقدية الناتجة عن التحويلات والسياحة، واستمرار المراوحة في الإصلاحات المصرفية والنقدية والمالية. ومن المقدر أن تصل نسبة التراجع المسجلة بالأعمال خلال الفترة الماضية بين 60 و70%، بحسب الهيئات الاقتصادية اللبنانية، ما من شأنه إدخال البلد في دوامة الانهيار الاقتصادي من جديد.
التضخم يزداد
التراجع الاقتصادي يترافق مع ارتفاع ملحوظ بالأسعار، حيث سجل مؤشر أسعار الاستهلاك في لبنان لشهر شباط الماضي ارتفاعًا بنسبة قاربت 2% مقارنة مع كانون الثاني، وارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك في شباط 2026 بنسبة 13% مقارنة مع شباط 2025.
هذا قبل نشوب الحرب في المنطقة ولبنان، أما بعدها فكان لافتًا تسجيل الأسبوع الثالث من آذار ارتفاعًا كبيرًا على صعيد مختلف السلع المحلية والمستوردة، وذلك حسبما أظهر “التقرير الأسبوعي لأسعار السلة الغذائية في وزارة الاقتصاد والتجارة (المكتب الفني لسياسة الأسعار) في نقاط البيع في مختلف المناطق اللبنانية”. وبالأرقام، ارتفعت الأسعار بين آذار 2025 وآذار 2026 بنسبة 30% للخضار (باستثناء الفجل الذي انخفض 2%، وزاد الخس 33%)، و42% للفواكه، و15% للحوم، و9% للبيض ومشتقات الحليب، و27% للحبوب، و8% للمنتجات الدهنية والزيوت، و4% للمعلبات، و-3% لبقية المواد التي تشمل أساسًا الشاي والملح والمعكرونة والبن والسكر. وبشكل عام، ارتفعت الأسعار في الأسبوع الثالث من آذار بنسبة 13% عما كانت عليه في آذار 2025.
الارتفاع الأعلى بالأسعار سجل في قطاع المحروقات، حيث ارتفع سعر صفيحة البنزين من مليون و396 ألف ليرة (15.6$) في 27 آذار 2025 إلى مليونين و364 ألف ليرة (26.5$)، والمازوت من مليون و293 ألف ليرة (14.4$) إلى مليونين و295 ألف ليرة (25.6$)، والغاز من مليون و103 آلاف ليرة (12.3$) إلى مليون و868 ألف ليرة (20.8$). وبلغ متوسط ارتفاع أسعار المحروقات نحو 70%.
مطالب لتعزيز صمود المؤسسات
إزاء هذا الواقع الذي يهدد بتضخم انكماشي، طالبت الهيئات الاقتصادية الحكومة والوزارات والمؤسسات المعنية بسلة من الإجراءات التي اعتبرتها ضرورية لتقوية صمود المؤسسات وتمكينها من متابعة مسؤولياتها تجاه العاملين فيها، على أن تشمل الآتي:
- تمديد المهل القانونية لكافة التصاريح الضريبية بمختلف أنواعها لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر من تاريخ انتهاء المهل الحالية.
- تمديد إجازات العمل والإقامات لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر.
- تعليق استيفاء رسم الـ3% على الاستيراد.
- تخفيض الرسوم البلدية على المؤسسات التجارية.
- دعوة أصحاب الأملاك إلى خفض الإيجارات التجارية، تحسّسًا مع أصحاب المؤسسات الخاصة بعد الانخفاض الكبير المسجل في أعمالهم.
- ضرورة اتخاذ كل الإجراءات الممكنة والمتاحة لتسريع إخراج البضائع من المرافئ ومن المطار.
- ضرورة العمل على تسريع توفير خدمة الإنترنت عبر شركة ستارلينك التي تعمل عن طريق الأقمار الاصطناعية، لتلافي أي أعطال قد تطال كابلات الإنترنت البحرية.
المطالبات على أهميتها قد تساعد من جهة مؤسسات القطاع الخاص على الصمود، إلا أنها ستثقل من الجهة المقابلة كاهل الموازنة، وستخفض الإيرادات المتوقعة، وذلك بالتوازي مع التوقع بزيادة الإنفاق. وهو الأمر الذي لن يدفع الحكومة إلى استخدام ما راكمته من احتياطيات أو العودة للاقتتراض من مصرف لبنان فحسب، إنما سيهدد بإفشال أحد أهم مطالب صندوق النقد الدولي بتصفير عجز الموازنة وخفض نسبة الدين إلى الناتج إلى ما دون 100%.
إذا ما أضفنا عدم القدرة على إقرار قانون الفجوة، وبدء تطبيق إعادة هيكلة المصارف في ظل هذه الظروف، فإن الاتفاق مع صندوق النقد سيصبح أضغاث أحلام. وسيستمر الوضع بالتراجع بشكل دراماتيكي، وهذا هو محط خوف الهيئات الاقتصادية.
بقدر ما تظهر الأرقام الحقائق، بقدر ما تدفع إلى التحسر على الاقتصاد. فالخس المسجل سعره على جداول وزارة الاقتصاد أصبح له كل يوم سعر جديد كالذهب. أما الوضع الاقتصادي فهو مثل الفجل، بتراجع مستمر.
