“التعافي الهش” يتحوّل إلى مرض مزمن يهدد بـ”موت” الودائع

الودائع

في مثل هذه الأيام، كان يُفترض أن يكون قانون «الفجوة المالية» قد أُقِرَّ، الأمر الذي كان من شأنه أن يصيب هدفين بحجر واحد: الأول، رفع قيمة السحوبات من الودائع من دون منّة؛ والثاني، ملء الفراغ في جعبة الوفد اللبناني المتوجّه إلى اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين بعد أيام، والتفاوض من موقع قوة، تمهيدًا لعقد اتفاق مع “الصندوق”، والسير، أخيرًا، في مسار التعافي.

هذا ما لم يحصل، وقد لا يحصل في وقت قريب. فما بعد الثاني من آذار 2026 لن يكون كما قبله؛ ليس لأن الحرب أضاعت على البرلمان فرصة الانعقاد لمناقشة وإقرار مشروع قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع» فحسب، بل لأنّ كل المعطيات المالية والنقدية انقلبت رأسًا على عقب.

توقعات 2026

الاقتصاد اللبناني، الذي شهد نموًا إيجابيًا في عام 2025 بعد سنوات من انكماش حاد، عزّز التوقعات بـ«بدء مرحلة من التعافي، ولو كانت متواضعة»، بحسب تقرير «المرصد الاقتصادي للبنان – شتاء 2025» الصادر عن البنك الدولي في 22 كانون الثاني الماضي، تحت عنوان «تعافٍ هش». فبالإضافة إلى «التقدّم البارز في أجندة الإصلاحات اللبنانية»، وفق توصيف التقرير، فقد كان من المتوقع أن ينمو الاقتصاد في عام 2026 بنسبة 4%، مدفوعًا باستمرار السير في الإصلاحات وورود تدفّقات مالية معقولة لإعادة الإعمار، إضافة إلى ارتفاع تحويلات المغتربين والسياحة التي تُعدّ من المحرّكات الرئيسية للنمو. وأشارت التوقعات أيضًا إلى انخفاض معدل التضخم من 15.2% في عام 2025 إلى رقم أحادي، ما من شأنه أن يؤدي إلى تراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي وتحقيق ميزان المالية العامة فائضًا على أساس نقدي.

تحويلات المغتربين تتراجع

لم يعد أيٌّ من هذه التوقعات يصحّ، لا من قريب ولا من بعيد. فبدلًا من تدفّق الأموال لإعادة الإعمار، فاقمت حرب 2025 الأكلاف ورفعت قيمة الخسائر، في الأيام الخمسة والعشرين الأولى فقط من اندلاعها، إلى 1.6 مليار دولار؛ تُضاف إلى 14 مليار دولار هي كلفة حرب 2024، بحسب تقديرات البنك الدولي. وفيما يخصّ تحويلات المغتربين، فقد «تراجعت بنسبة 5 في المئة على أقلّ التقديرات»، بحسب الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة، وقد تنخفض أكثر في الأيام المقبلة مع تراجع قدوم المسافرين الذين ينقلون الأموال يدًا بيد من جهة، وتأثّر الأعمال في الدول التي ينتشر فيها المغتربون من جهة أخرى، ولا سيّما الدول الخليجية التي يُحوَّل منها إلى لبنان ما نسبته 25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

السياحة بانحدار

السياحة، التي كانت من بين القطاعات الأساسية التي قادت الانتعاش في عام 2025، وحفّزت زيادة الاستهلاك الخاص إلى جانب التدفقات المالية وارتفاع دولرة الأجور، مرشّحة للتراجع بشكل دراماتيكي هذا العام، ولا سيّما مع دلالة كل المؤشرات على طول أمد الحرب، بحسب أمينة سرّ نقابة مكاتب السياحة والسفر في لبنان رقيّة حامد. وقد «بدأت الوكالات السياحية تتلقّى بالفعل طلبات إلغاء الحجوزات للفترة المقبلة، نتيجة عدم اليقين وغياب أي دليل واضح على إمكان الحل سريعًا». وكان القطاع السياحي ككل قد أدخل إلى الاقتصاد خلال عام 2025 نحو 4.7 مليار دولار، منها 1.8 مليار دولار من الحجوزات عبر مكاتب السياحة والسفر وسوق التذاكر. وكانت هذه القيمة مرشّحة للارتفاع بنسبة 25 في المئة خلال عام 2026، بحسب حامد، ما كان سيرفع، بالتوازي، عائدات القطاع السياحي بنسبة كبيرة.

ركود تضخمي

تراجع التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية، المترافق مع شلل في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية، ولو بنسب متفاوتة، سيحوّل النمو المتوقع في العام الحالي إلى انكماش اقتصادي. فمن المرجّح أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي، بحسب أفضل التقديرات، خلال شهر آذار بنحو 1.3 مليار دولار، وقد تصل قيمة الانخفاض إلى 16 مليار دولار في حال استمرّت الحرب حتى نهاية العام. وسيتزامن هذا الانكماش مع عودة التضخّم إلى الارتفاع، إذ كانت التقديرات قبل الحرب تشير إلى أنّ فرض ضريبة على البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، وزيادة الرسوم على الحاويات لتمويل زيادات رواتب القطاع العام، كان من شأنها أن تؤدّي إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم خلال العام الحالي. ومع وضع الحرب أوزارها وما رافقها من ارتفاع في أسعار المحروقات بنسبة 60% حتى الآن، وزيادة كبيرة في رسوم التأمين على حاويات الاستيراد لتتراوح بين 2000 و4000 دولار، يُتوقّع أن تبقى الضغوط التضخمية مرتفعة خلال المرحلة المقبلة، وأن ينتقل الاقتصاد إلى مرحلة الركود التضخمي.

تراجع احتيايطات المركزي

كلّ هذه المؤشرات ستؤدّي إلى تقليص واردات الخزينة من جهة، ورفع الإنفاق من جهة أخرى. وعلى الرغم من عدم تأثّر احتياطي الخزينة، البالغ 9 مليارات و290 مليون دولار، خلال الأيام الخمسة عشر الأولى من اندلاع الحرب، فإنّ استمرارها، بالتزامن مع ضعف المساعدات وزيادة الحاجات، ولا سيّما لتلبية متطلبات النزوح، سيبدأ باستنزاف هذا الاحتياطي.

الأمور لن تقف عند هذا الحد، بل ستؤدّي إلى تفويت الفرصة جديًا أمام إتمام الإصلاحات المطلوبة، وفي مقدّمها إعادة أكبر قدر ممكن من أموال المودعين. فبحسب المعلومات، اشترط مصرف لبنان حسم المبالغ المدفوعة بموجب التعميمين 158 و166 من المبلغ النقدي الذي سيُدفع مستقبلًا بموجب قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، وذلك بهدف رفع سقف السحوبات.

وهذا ما يتعارض مع مشروع القانون الموجود في مجلس النواب، والذي ينصّ بوضوح على عدم احتساب هذه المبالغ، بموافقة سابقة من مصرف لبنان. إلّا أنّ ما كان يصحّ سابقًا، قبل الحرب، وفي ظلّ توقّعات النمو والاستقرار، تبدّل جذريًا بعدها. فقد انخفض احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان، بين 15 شباط و15 آذار، بنحو 400 مليون دولار، متراجعًا من 12 مليارًا إلى نحو 11.6 مليار دولار. كما خسر المصرف المركزي نحو 1000 دولار في كل أونصة ذهب من احتياطه البالغ 9 ملايين و221 ألف أونصة.

وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف من تراجع ودائع القطاع العام بشكل كبير، ما قد يعرّض التزامات الدولة، التي تقع في صلب خطة إعادة الودائع والبالغة 16.5 مليار دولار، لمخاطر عدم السداد؛ هذا من دون افتراض عودة الدولة إلى الاستدانة من المصرف المركزي بموجب قوانين صادرة عن البرلمان.

التعاميم وقانون الفجوة

أمام كل هذه التحديات، لن يكون باستطاعة مصرف لبنان والمصارف إعادة نحو 20.4 مليار دولار تقريبًا خلال أربع سنوات من الودائع حتى سقف 100 ألف دولار. وستتعقد أكثر آلية إعادة نحو 28 مليار دولار في المرحلة الثانية للودائع التي تتجاوز 100 ألف دولار، والممتدة لغاية 20 عام. ويعود السبب جزئيًا إلى أنّ جزءًا من هذه المبالغ مرهون بأصول مصرف لبنان التي في تراجع، إضافة إلى الدين المستحق على الدولة في إطار صندوق استرداد الودائع. فيما إجمالي ما تملكه المصارف من احتياطيات حرة ونقد بالخزينة وأوراق مالية لا يتجاوز 2.4 مليار دولار.

في حال رفع سقف السحوبات، كما يُطالب من 1000 إلى 1500 دولار وفقًا للتعميم 158، سيكلف ذلك في غضون عام واحد فقط نحو 5.7 مليار دولار، وذلك لأن هناك 320 ألف مودع يستفيدون من هذا التعميم حتى تشرين الأول 2025. وسيكلف رفع سقف السحوبات إلى 750 دولارًا وفقًا للتعميم 166 نحو 1.5 مليار دولار، إذ يستفيد من هذا التعميم 174,933 مودعًا.

وعليه، فإنّ كلفة التعميمين ستكون نحو 7.2 مليار دولار في غضون عام واحد فقط. في حين أنّ مجموع ما دفع وفقًا للتعميم حتى نهاية العام 2025 بلغ نحو 3.72 مليار دولار للتعميم 158 و400 مليون دولار للتعميم 166.

في حال كان شرط رفع سقف السحوبات هو شطب ما تم دفعه سابقًا، «لا نريد أي زيادة على التعاميم»، يقول النقيب السابق لموظفي المصارف، أسد خوري، لا سيّما أن مفعول التعميم 158 ينتهي في 30 حزيران المقبل. وهناك خشية حقيقية من أن تُستغل هذه الحجة كشماعة لشطب كل ما تقاضاه المودعون، وتقليص حقوقهم أكثر من قيمة ودائعهم الفعلية.

إزاء هذا الواقع، فإن الاقتصاد اللبناني مهدد بالعودة إلى ما دون نقطة الصفر إذا ما طالت الحرب. وسيصبح التعافي الهش الذي شهده الاقتصاد في عام 2025 مرضًا مزمنًا، لن تقتصر تداعياته على السنوات المقبلة فحسب، بل سيهدد بشكل مباشر القدرة على إعادة الودائع والسير في طريق التعافي كما كان مأمولًا.