تُشكّل التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب كارثةً حقيقية على لبنان، إذ أسرعت إيران في توظيف أوراقها الاقتصادية رداً على تراجعها العسكري أمام الولايات المتحدة، فأغلقت مضيق هرمز بعد يومين فحسب من اندلاع الحرب، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، وأفضى ذلك إلى دخول العالم في مرحلة مساومات مضنية بين الدول الغربية والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، حول السيطرة على المضيق. وبلغت أسعار النفط حدود 110 إلى 112 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يُلقي بظلاله على كافة الأوضاع الاقتصادية العالمية، من أسعار الفائدة إلى أسعار المعادن وفي مقدمتها الذهب.
شهدت أسعار الذهب انخفاضاً ملحوظاً نتيجة تصاعد عرضه في السوق، إذ بات المواطنون يبيعون مدخراتهم الذهبية لتأمين احتياجاتهم الأساسية وتوفير لقمة العيش، وذلك في ظل توقعات بتراجع تحويلات المغتربين اللبنانيين، الذين يعمل نحو خمسين بالمئة منهم في دول الخليج العربي. وقد بات كثير منهم يعملون عن بُعد أو بنصف الراتب، فيما تواجه مؤسساتهم خطر الإغلاق، مما ينعكس سلباً بالضرورة على المواطن اللبناني.
يعود هذا الواقع بالبلاد إلى ما اصطُلح عليه منذ عام 2020 بـ”التأقلم السلبي”، المتجلي في تقليص وجبات الطعام، والتخفيف من تناول الأدوية، وبيع الممتلكات لتأمين الضروريات، وحرمان الأبناء من التعليم. ويُتوقع أن ترتفع أسعار السلع والمنتجات بنسبة تصل إلى عشرين بالمئة، نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتأمين؛ فقد رفعت شركات التأمين رسوم تأمين المخاطر على السفن المارّة عبر الخليج العربي، وبلغت تكلفة التأمين على الحاوية الواحدة أربعة آلاف دولار في المسارات البديلة كقناة السويس وغيرها، وهو ما ينعكس مباشرةً في ارتفاع الأسعار.
تواجه البلاد حالة من التضخم الانكماشي، وهو أشد أنواع التضخم وطأةً على الاقتصادات، إذ يجمع بين ارتفاع الأسعار وتراجع النمو في آن واحد. ويُقيّد هذا الوضع قدرة المصارف المركزية على خفض أسعار الفائدة، وهو ما جلّته قرارات الفيدرالي الأمريكي والمصرف المركزي الأوروبي والبريطاني، مما يرفع تكاليف التمويل على الدول والأفراد على حدٍّ سواء.
يعجز لبنان عن تحمّل هذه الأعباء الإضافية، لا سيما أن خسائر الحرب عام 2024 قُدِّرت بنحو خمسة عشر مليار دولار وفق البنك الدولي، في حين لم تُحصّل البلاد منها سوى مساعدات بقيمة 250 مليون دولار، لا تكفي لتغطية تكاليف إيواء مليون نازح لشهر واحد. وتظل البنى التحتية في الجنوب مدمّرة، فيما تتراوح خسائر الأملاك الخاصة بين سبعة وعشرة مليارات دولار. وكان الاقتصاد قد حقق نمواً بلغ خمسة بالمئة عام 2025، غير أن التوقعات تُشير إلى تراجع لا يقل عن أربعة بالمئة شهرياً في ظل استمرار الحرب، مما يعني خسائر تتجاوز مليارَي دولار شهرياً، وقد تبلغ ستة عشر مليار دولار إذا امتدت الحرب لعام كامل، لتعود البلاد إلى ما دون مستوياتها إبان أحلك سنوات الأزمة الاقتصادية بين عامَي 2021 و2022.
انخفضت احتياطيات العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان بمقدار 260 مليون دولار خلال الأيام الخمسة عشر الأولى من الحرب، لتنزل من اثني عشر مليار دولار إلى 11.7 مليار دولار. وكانت هذه الاحتياطيات تُشكّل ركيزة أساسية في خطة استعادة الودائع، إذ كلما طالت الحرب تراجعت فرص المودعين في استرداد أموالهم، وتصاعد التهديد على سعر صرف الليرة اللبنانية، مما يُفضي إلى تآكل قيمة الرواتب والزيادات الممنوحة للقطاع العام، ويُعيد البلاد إلى أوضاع مالية بالغة الهشاشة.
تُعدّ الإصلاحات الهيكلية اليوم ضرورة لا مناص منها، إذ لا مخرج من هذا المأزق دونها. كما يستدعي الوضع الالتفات إلى تراجع قيمة الذهب المودَع في مصرف لبنان، الذي كان قد بلغ سبعة وأربعين مليار دولار، في حين تتآكل الاحتياطيات باطراد. أما على الصعيد الفردي، فقد بات الهاجس المهيمن على المواطنين هو الهجرة، غير أن الدول العربية باتت هي الأخرى عاجزة عن استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من المغادرين، مما يُضاعف من حجم الأزمة ويُعمّق مآزق لبنان في هذه المرحلة البالغة الصعوبة.