الأزمات تتوالد من عدم الإستقرار وسط غياب المعالجات الجذرية

الأزمات

أقوال كثيرة تصف الحرب وشرورها، إلا أن أكثرها مواءمة للواقع اللبناني هو القول الذي يُنسب إلى السياسي الألماني المحنّك بسمارك: «نعرف كيف تبدأ الحروب، لكن لا أحد يعرف كيف تنتهي». وإذا سمحنا لأنفسنا بإكمال الاقتباس نقول: «ولا أحد يعرف إلى ماذا ستنتهي». فغد الاقتصاد اللبناني قد يكون أسوأ من ماضيه، إن تُرك «حبل» المعالجات «مرخيًا على جرّار» التدخلات التقليدية التي تفاقم الأزمات بدلًا من أن تحلّها.

يواجه لبنان خطر الانتقال من دوامة الصراع والتعافي إلى حالة أزمة طويلة الأمد، بحسب تقرير «حرب 2026: الأثر الاقتصادي والاجتماعي» الصادر عن نادي القادة. «فالاضطراب المتكرر للنشاط الاقتصادي، إلى جانب الضغوط الإنسانية المستمرة، يدفع لبنان نحو نموذج يتسم بشكل متزايد بالاعتماد على المساعدات، والعمل غير الرسمي، والهجرة الخارجية». والآثار المترتبة على ذلك ستكون طويلة الأمد؛ فبدون استقرار مستدام لا يمكن لجهود إعادة الإعمار أن تترسخ، وبدون إعادة الإعمار يبقى الانتعاش الاقتصادي بعيد المنال، وبدون انتعاش يستمر النسيج الاجتماعي في التمزق تحت وطأة النزوح المتكرر وتدهور مستويات المعيشة.

أزمات متواصلة

بين العامين 2024 و2026، مُني لبنان بخسائر مادية وبشرية كبيرة، واستمر التراجع في الأوضاع الاجتماعية رغم التعافي الهش الذي سُجّل في العام 2025. وبالأرقام، انكمش الناتج المحلي بين 6.6% و7.1% في العام 2024، وقدّرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة بـ14 مليار دولار، بحسب البنك الدولي، وارتفعت حاجات إعادة الإعمار إلى 11 مليار دولار. وفقد 166 ألف شخص وظائفهم، ووصل عدد الضحايا إلى 4000 شخص.

استمرت تداعيات الحرب في العام 2025، بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في 26 تشرين الأول 2024، ولا سيما على الناحية الاجتماعية. فبقي أكثر من 100 ألف شخص نازحًا، وارتفع عدد القتلى إلى 330 شخصًا، ولم يحصل لبنان إلا على 250 مليون دولار كمساعدات، فبقيت إعادة الإعمار معلّقة.

لم يكد الاقتصاد يتعافى من الآثار الاقتصادية للحرب حتى عادت من جديد في 2 آذار 2026 وبوتيرة أقسى، حيث تُقدَّر الخسائر الاقتصادية اليومية بين 60 و80 مليون دولار، ويُتوقع أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 4% على مستوى شهري، وأن تتجاوز الخسائر 16 مليار دولار إذا استمرت لمدة عام على هذا المنوال. وما يزيد من خطورة التداعيات الاقتصادية للحرب هو قصف البنى التحتية، من جسور ومحطات مياه وشبكات طرق ومؤسسات ومنازل في جنوب لبنان، ما أخرج نحو ثلث مساحة لبنان من الخدمة الفعلية، وتسبب بنزوح 1.2 مليون شخص من جديد، بحسب الأمم المتحدة، 370 ألفًا منهم من الأطفال. كما تعطلت المدارس الرسمية، وابتعد 150 ألف تلميذ عن مدارسهم، وارتفع عدد القتلى في غضون أقل من شهر إلى 1250 ضحية.

المعالجة بالمسكنات

معالجات تداعيات الحرب ما زالت تقتصر على مسكنات القروض والمساعدات، حيث استدان لبنان خلال الفترة الأخيرة 1.8 مليار دولار من البنك الدولي، ورتّب على نفسه دينًا بأكثر من 1.2 مليار دولار لتأمين فيول الكهرباء. وفاق مجموع القروض 3 مليارات دولار، بفائدة تتراوح بين 3.5% و5% مع عمولات. ومع التأكيد على أهمية استمرار تسيير المرافق، كان بإمكان لبنان تجنب دين الفيول أويل لو سُمِح للقطاع الخاص بإنشاء مشاريع الطاقة الكهربائية على أساس غير مركزي. كما أن قروض البنك الدولي، المخصصة بجزء منها لدعم قطاع الطاقة، وبقيمة 250 مليون دولار، ستُوظَّف بالطريقة القديمة نفسها، وكان من الأجدى تقسيمها على المناطق والهيئات اللامركزية لإنشاء وحدات خاصة للطاقة، بعيدًا عن الإدارة المركزية، كي لا تتكرر القروض والمساعدات التي صُرفت على مشاريع الصرف الصحي ومعامل النفايات وتكرير المجارير، والتي انتهت إلى فشل ذريع.

ودائع القطاع العام تتراجع

في الموازاة، بدأت ودائع القطاع العام في مصرف لبنان بالتراجع، كما أظهرت الميزانية نصف الشهرية لمصرف لبنان المنتهية في 31 آذار، حيث انخفضت من 9 مليارات و290 مليون دولار في منتصف آذار إلى 9 مليارات و215 مليون دولار في نهايته، أي بتراجع يقارب 75 مليون دولار. وهي تهدد ببدء استنزاف الودائع، ومن الصعب إعادة تعويضها في ظل المطالب بالتوقف عن سداد الضرائب والإعفاءات، وتراجع الأداء الاقتصادي بشكل كبير، وبالتالي تراجع قدرة الدولة على الجباية.

الاتفاق مع صندوق النقد

ولكون الجزء الأكبر من ودائع القطاع العام بالليرة، تثار المخاوف من العودة إلى الاستدانة من مصرف لبنان بالعملة الأجنبية لتأمين حاجات الدولة. إلا أن رئيسة جمعية الإعلاميين الاقتصاديين، سابين عويس، أكدت أن مصرف لبنان لن يدخل في هذا الموضوع، وأن الاحتياطي يبقى فقط لتغطية أموال المودعين.

ومن الأساسيات في هذه المرحلة عدم تفويت فرصة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بحجة الحرب؛ فالصندوق، بحسب معلومات عويس، “يبدي تفهمًا للوضع المستجد في لبنان، الذي فرض التأخير في تنفيذ الإصلاحات”. وبالتالي فإن “الاجتماعات التي حصلت في باريس مع صندوق النقد، بتنظيم من مصرف لبنان، أتاحت البحث في كيفية التقدم على مستوى قانون إصلاح المصارف والتعديلات المطلوبة عليه، وقانون الفجوة المالية”. وهناك توقع بأن يكون الموضوع مطروحًا بشكل جدي، مع محاولة لتسريع إنجازه. وعليه، فإن “البرنامج مع لبنان ما زال قائمًا”، بحسب عويس.

بعد سنوات من الأزمة النقدية والمالية الطويلة، تيقّن الجميع أن معالجة الانهيار الاقتصادي كانت أسوأ من الانهيار بحد ذاته. ولو جرى اتخاذ تدابير فورية في نهاية العام 2019، كالكابيتال كونترول، ووقف كل أشكال الدعم، وإصلاح السياستين المالية والنقدية، وإعادة هيكلة القطاعين العام والمصرفي، لما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. ولكي لا نقول «لو» بعد عام أو عامين، أو حتى بعد جيل، يتوجب الخروج من الحلول المعلّبة، والتفكير من زاوية مختلفة كليًا؛ أهم ما فيها إعادة هيكلة القطاع العام والطاقة اللذان كان سببًا أساسيًا من أسباب الانهيار.. وما زالا.