كتب غسان بيضون*
في الواقع، لبنان ليس بعيدًا عما تعيشه باقي الدول من انعكاسات أزمة النفط العالمية السارية بسبب الحرب، وما أصاب منشآت الطاقة في الدول الخليجية وتعطّل الإمداد عبر هرمز. وقد ترتب عن هذه الأزمة ارتفاع أسعار النفط عالميًا نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر، وبالتالي ارتفاع تكلفة الحصول عليه، لا سيما مع ارتفاع أسعار التأمين على ناقلات النفط بنسب عالية.
غير أن قدرة لبنان على التعامل مع هذا النوع من الأزمات، خاصة خلال الحرب، تختلف عن غيره، بسبب الخبرة التي اكتسبتها الأجهزة الحكومية المعنية بالإغاثة وبالتعامل مع الكوارث وتداعيات الحروب في الظروف الأمنية الصعبة. وكذلك ألفها شعبه وتدرّب على استشعارها والتعامل مع مختلف وجوه تداعياتها. ولم تكن بعيدة عن هذا التأقلم مختلف قطاعاته الاقتصادية، بما فيه الصناعة ومستوردي النفط، الأمر الذي يجعل من تداعيات هذه الأزمة أقل حدة وأكثر قابلية للاستيعاب، أقله على المدى المنظور بحدود شهر أو شهرين، ما لم تطرأ مستجدات خارج التوقعات يمكن أن تحدّ من قدرة البلد على السيطرة على الوضع وتأمين الحد الأدنى من حاجات مختلف القطاعات من المحروقات.
تأثير النزوح
ولمزيد من الإيضاح يجب التمييز بين الحاجة للمازوت والحاجة للبنزين والغاز، وأخذ أزمة النزوح بوجهيها السلبي و”الإيجابي”، بمعنى خفض الحاجة لهذه المواد في المناطق التي بات من الصعوبة بمكان صمود أهاليها فيها، ومنها معظم الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، ممن نزحوا وتم استيعابهم ضمن مراكز إيواء ورعاية في باقي المناطق، حيث تتولى أجهزة الدولة الرسمية والمبادرات الشعبية الداعمة تأمين حاجاتهم في إطارها إلى حدّ معقول.
فماذا عن انعكاسات النزوح وتأثيرها في تدارك تداعيات أزمة النفط وتأمين المحروقات اللازمة لإنتاج الكهرباء في معامل كهرباء لبنان، كما من المولدات؟
للإجابة على هذه التساؤلات، لا بد أولًا من معالجة ثلاثة أوجه رئيسية:
الأول، هو مدى كفاية الكميات والاحتياطيات المتوفرة حاليًا في خزانات المنشآت المعنية بتأمين حاجات المرافق العامة من مادة المازوت حصرًا، ولدى الصناعيين ممن يمكن أن يستوردوا حاجة مصانعهم من المحروقات مباشرة، أو من خلال مستوردي المحروقات من شركات القطاع الخاص.
والثاني، هو مدى تأثير إغلاق مضيق هرمز على إمكانية تأمين حاجات لبنان من المحروقات، وإن بأسعار مرتفعة.
أما الثالث، فهو قدرة المواطن غير النازح على تحمّل أعباء فواتير المولدات.
بالنسبة للسؤال الأول، وحسب المعلومات المتوفرة من مصادر موثوقة، فإن الأوضاع مطمئنة إلى حد لا يدعو لقلق يصل إلى حافة الهلع، إذ إن الكميات المتوفرة هي معقولة وكافية على مدى الأسابيع المقبلة. وقد تمّ ويتم تأمين حاجات مراكز إيواء النازحين من المازوت لتوليد الكهرباء بكفاءة وضمن ضوابط تحدّ من إمكانية الهدر والتلاعب، وهناك تنسيق جدّي قائم بين الوزارات والمؤسسات الرسمية المعنية، وعلى رأسها وزارة المالية، ومعها وزارات التربية والشؤون الاجتماعية، والهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب. كما أن هناك باخرة مازوت جاهزة للتفريغ ما إن يتم فتح الاعتماد اللازم لتغطية ثمن حمولتها.
بالنسبة لتأثير إغلاق مضيق هرمز على الداخل اللبناني، فهو حتى اليوم غير قائم وغير مؤثر، طالما أن استيراد المحروقات لتأمين حاجات البلد متاح من موانئ المتوسط ومن بلدان قريبة نسبيًا، إن لحاجة منشآت النفط أو الصناعيين ومستوردي المشتقات النفطية والمحروقات من شركات القطاع التجاري الخاص.
ولكي تكتمل الإجابات، لا بد من الإشارة إلى أن ارتفاع كلفة المازوت اللازم لتشغيل مولدات الأحياء والقرى والبلدات، الذي بدوره يحتاج إلى مزيد من التمويل، يؤدي إلى ارتفاع مبالغ فواتير هذه المولدات إلى مستويات تفوق قدرة المشتركين على تحمّلها في هذه الظروف الصعبة، الأمر الذي حدا بأصحاب المولدات إلى خفض ساعات التغذية إلى 8 ساعات من أصل 24 ساعة يوميًا، خاصة وأن مناطق واسعة من لبنان لم تعد مأهولة إلا بنسبة ضئيلة من أصل ساكنيها قبل الحرب، وذلك بسبب النزوح الذي طال معظم الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، بحيث بات التركيز ينصبّ على معالجة وتأمين حاجات النازحين ضمن مراكز الإيواء الموزعة على باقي المناطق، وعلى العناية بشؤونهم، وهو ما يبدو، حتى اليوم، أنه تحت السيطرة ومرضيًا إلى حدّ مرضٍ.
ترشيد البنزين
يبقى قطاع البنزين بنوعيه، الذي يجري تأمينه من قبل شركات الاستيراد من القطاع الخاص، وإن بشيء من “الشطارة”، بحيث يتم تقليص دوام سلاسل محطات المحروقات التابعة للشركات، وكذلك تقليص الكميات المطروحة، طمعًا بتحقيق مزيد من الأرباح نتيجة استمرار ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ومعها جدول أسعار مبيع المحروقات الذي يصدر عن وزارة الطاقة والمياه دوريًا وبوتيرة تصاعدية. وتشمل، إضافةً إلى البنزين بنوعيه، المازوت والغاز المنزلي.
في جميع الأحوال، فإن المواطن العادي يجد نفسه ملزمًا تلقائيًا بترشيد استهلاكه من المحروقات بما يتلاءم مع دخله المحدود، بحيث يعيد توزيع هذا الدخل وفق أولويات مختلفة عما تكون عليه في الظروف العادية.
التدابير الوقائية غائبة عن “الكهرباء”
ويبقى السؤال: هل إن الإدارات الرسمية المعنية بتحمّل كلفة المحروقات بالأسعار الحالية المرتفعة سوف تلجأ هي أيضًا إلى اتخاذ التدابير اللازمة لترشيد استعمال سياراتها ومركباتها، وإعادة النظر بآلية تخصيص البونات للمستفيدين منها، المعتمدة في الظروف العادية، وذلك في إطار خطة تهدف إلى إطالة فترة الاكتفاء بالكميات المتاحة حاليًا وتوفير الأمن الطاقوي على المدى القريب؟
أما عن مؤسسة كهرباء لبنان، فمن المستبعد أيّ أمل بتغيير النهج القائم فيها بما يسمح بالتخفيف من حدة الأزمة من خلال إنتاج وتوفير الكهرباء، حتى بالحد الأدنى من ساعات التغذية التي اعتدنا على ندرتها خلال السنوات الماضية، اعتبارًا من رفع تعرفتها إلى حدّ كان يفترض معه أن تكون قادرة على تمويل شراء المحروقات اللازمة، باعتبار أن التعرفة الجديدة وعدت بتأمين التوازن المالي للمؤسسة المستمرة في أدائها غير المتوازن.
غسان بيضون*
مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه
محلل سياسات الشراكة مع القطاع الخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق
