الاتصالات التي نجحت، حتى الساعة، في تجنيب قصف معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا، لم تُبرِّد بعد القلوب. فاحتمال قطع هذا الشريان الحيوي ما زال قائمًا، فيما هناك عشرات الشاحنات عالقة بينه وبين معبر جديدة يابوس من الجهة المقابلة، نظرًا لإخلاء نقاط التفتيش وتوقّف تخليص المعاملات على الجانبين.
يُعتبر معبر المصنع الأكثر كثافةً في حركة العبور بين المعابر الحدودية البرية. وعدا عن موقعه الاستراتيجي الذي يمكّن التجار من الوصول، في ظرف ساعة، إلى وسط الشام، ومنها إلى الأردن فدول الخليج العربي، فقد زادت أهميته بعد إقفال معبر العبودية الشمالي في حرب 2024. فبرز معبر المصنع كمنفذ أساسي وحيوي لحركة التبادل التجاري الزراعي، سواء على صعيد المنتجات النباتية أو الحيوانية، بما يساهم في الحفاظ على استمرارية القطاع الزراعي ودعم الأمن الغذائي الوطني.
المعابر البرية
يعتمد لبنان في الاستيراد والتصدير البري على ثلاثة معابر أساسية، هي:
- معبر العبودية، الذي يقع في محافظة عكار شمال لبنان، وهو مقطوع بالكامل منذ العام 2024، فيما كانت حركة العبور من خلاله خجولة قبل توقفه؛ إذ لم يكن يمر عبره، بحسب أرقام الجمارك للعام 2024، سوى نحو 0.81 في المئة من إجمالي الصادرات و0.21 في المئة من الواردات.
- معبر العريضة، الذي يقع أيضًا في محافظة عكار شمال لبنان. يمر عبره 0.53 في المئة من إجمالي الصادرات و0.20 في المئة من الواردات.
- معبر المصنع في البقاع، الذي كان يمر عبره، قبل حرب 2024، نحو 5.8 في المئة من إجمالي الصادرات و1.9 في المئة من إجمالي الواردات. ومن المتوقع أن تكون الأرقام قد شهدت تحسنًا خلال الفترة الماضية، نظرًا لتخفيض رسوم العبور في سوريا وزيادة الصادرات نسبيًا إلى الدول العربية. وذلك مع العلم أن استمرار منع التصدير، أو حتى العبور عبر الأراضي السعودية ومنها إلى بقية الدول العربية، قد خفّض بشكل كبير من أهمية هذا المعبر.
مساهمة خجولة، ولكن!
بمحاكاة للأرقام التجارية لعام 2025، يكون قد مرّ عبر معبر المصنع أقل من 500 مليون دولار من السلع الواردة، من أصل واردات تجاوزت قيمتها 21 مليار دولار، وصُدِّر عبره أقل من 250 مليون دولار من أصل صادرات وصلت إلى 3.5 مليارات دولار. ما يعني أن تأثيره هامشي على الحركة التجارية العامة، ولا سيما إذا ما قورن بمرفأي بيروت وطرابلس، ومطار بيروت، التي يمر عبرها 90 في المئة من إجمالي الصادرات و96 في المئة من إجمالي الواردات.
بيد أن ثقل معبر المصنع البري لا يتأتّى من كونه شريانًا أساسيًا للتجارة الزراعية قبل الحرب فحسب، بل لأنه يمثل باب أمل لعودة طريق الترانزيت من لبنان إلى دول الخليج خلال الحرب وبعدها. ويكفي، بحسب مصادر التجار، رفع حظر مرور الشاحنات اللبنانية عبر أراضي المملكة العربية السعودية حتى تشهد أرقام المعبر قفزات كمية ونوعية. فلا تعود الصادرات عبره محصورة بالمنتجات الزراعية واللحوم فحسب، بل تمتد إلى مختلف المنتجات الصناعية. ويكتسب المعبر أهمية بالغة، خصوصًا فيما لم ينفذ الحوثيون تهديداتهم بإقفال معبر باب المندب، فيصبح لبنان بوابة أساسية للوصل إلى الدول العربية إضافة إلى سوريا.
شريان زراعي
إضافة إلى أهميته الاستراتيجية، يُعتبر معبر المصنع الأكثر انضباطًا ومراقبة من قبل الأجهزة الأمنية. وقد شهد في الآونة الأخيرة حركة لافتة في تصدير واستيراد السلع والمواد الزراعية ومشتقات الحليب والمنتجات الحيوانية، حيث تشير المعطيات إلى أن غالبية عمليات تصدير الفاكهة والخضار اللبنانية باتت تتم عبر معبر المصنع، وخصوصًا باتجاه سوريا والعراق والأردن، بالإضافة إلى التصدير إلى بعض دول الخليج العربي عبر نظام الترانزيت.
كما يُستخدم المعبر لعمليات الاستيراد، حيث يتم إدخال الخضار والفاكهة من دول مثل تركيا وسوريا والأردن، نتيجة استمرار إقفال معبر العبودية. وبلغ معدل الاستيراد اليومي نحو 450 طن، فيما وصل معدل التصدير اليومي إلى نحو 1000 طن خلال هذه الفترة من السنة، بحسب مصادر وزارة الزراعة.
ويُعدّ معبر المصنع أيضًا شريانًا أساسيًا لتجارة المنتجات الحيوانية، حيث يُصدّر منه سنويًا نحو 2000 طن من اللحوم المحضرة، و500 طن من اللحوم الطازجة، و2500 طن من المزيدات العلفية، بحسب مصادر وزارة الزراعة. ويدخل عبره عدد من المنتجات الحيوانية الأساسية، مثل المواشي الحية، خصوصًا الأغنام من سوريا، ومنتجات الألبان مثل حليب UHT والأجبان، والأدوية البيطرية من سوريا والأردن. كما يُستخدم المعبر لإدخال مستلزمات الإنتاج الزراعي، لا سيما الأسمدة والأدوية الزراعية.
على الرغم من مساهمته البسيطة في الحركة التجارية العامة، فإن معبر المصنع يشكّل اليوم نقطة ارتكاز أساسية لا يمكن الاستغناء عنها لضمان استمرارية حركة الاستيراد والتصدير، ودعم القطاعين النباتي والحيواني في لبنان، ولاسيما فيما يتعلق بسرعة إيصال المنتجات، حيث يعد هذا العامل أساسيًا للحفاظ على جودة هذه المنتجات، خاصة اللحوم الطازجة. كما يساهم المعبر بشكل مباشر في تعزيز الأمن الغذائي الوطني وتأمين الأسواق للمنتجات اللبنانية في ظل التحديات الإقليمية، والأهم من ذلك، يُتيح فرصة لإعادة لبنان دوره كبوابة للدول العربية.
