سيناريوهات الحرب، الذهب والليرة: ماذا ينتظر المواطن اللبناني؟

يشهد سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار نوعاً من الاستقرار النسبي عند مستوى 89,500 ليرة للدولار، غير أن هذا الاستقرار لا يعكس تعافياً اقتصادياً حقيقياً، إذ يرتكز على إدارة نقدية بحتة وتدخلات مصرف لبنان في السوق، لا على قاعدة اقتصادية متينة. ويزداد هذا الاستقرار هشاشةً في ظل أزمة مالية مستمرة منذ ست سنوات دون أن تُستكمل الإصلاحات الجوهرية اللازمة.

تراجعت الكتلة النقدية بالليرة من نحو 86 تريليون ليرة في شباط إلى 66 تريليون، مما يعني أن نحو 20 تريليون ليرة اختفت من السوق جراء تحويل المواطنين لمدخراتهم إلى الدولار طلباً للأمان. وفي الوقت ذاته، انخفضت ودائع الحكومة لدى مصرف لبنان بنحو 67 مليون دولار خلال خمسة عشر يوماً فحسب، نتيجة اضطرارها إلى سداد سلسلة الرتب والرواتب في ظل تراجع الإيرادات العامة بفعل الحرب.

يُسجّل احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية تراجعاً بلغ 343 مليون دولار شهرياً منذ بداية الحرب، إذ انخفض من نحو 12 مليار دولار إلى نحو 11.5 مليار دولار. وتتوقف قدرة المصرف على الدفاع عن سعر صرف الليرة على مدة النزاع وحجم الضغوط المتراكمة، إذ تبقى أشهر قليلة هي الهامش الزمني المتاح للمناورة وفق المعدلات الراهنة.

يتراوح حجم النازحين جراء الحرب بين 800,000 ومليون شخص من مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. وقد طلبت الأمم المتحدة تمويلاً طارئاً بقيمة 300 مليون دولار لتغطية الاحتياجات الفورية، إلا أن الحكومة اللبنانية أشارت إلى أن هذا المبلغ لا يتجاوز 30% من الكلفة الحقيقية للنزوح، ما يعني أن الحاجة الفعلية تتراوح بين مليار ومليار ونصف دولار.

تتضمن تلك الكلفة توفير المأوى والمياه والخدمات الأساسية من كهرباء وصرف صحي للنازحين، مما يُلقي أعباءً إضافية على الخزينة العامة. واضطرت الحكومة إلى اللجوء إلى احتياطياتها بمصرف لبنان لتمويل هذه النفقات في ظل شُح الإيرادات، مما يُعيد إنتاج أنماط التمويل ذاتها التي أفضت إلى أزمة عام 2019.

تُعدّ موجة الغلاء من أبرز التداعيات الاقتصادية المباشرة للحرب. فقد ارتفعت أسعار عدد من السلع الغذائية بنسبة تتراوح بين 50% والضعف، وذلك نتيجة تضافر عوامل عدة:

تضاعف سعر برميل النفط الذي كان يُحدَّد في بداية العام بنحو 55 دولاراً ليبلغ 112 دولاراً، مما أدى إلى ارتفاع كلفة الأسمدة الزراعية وأسعار الغذاء عالمياً. يُضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف النقل البحري والبري وأقساط التأمين على الشحن، وتزايد كلفة التبريد والتخزين في ظل الاعتماد شبه الكلي على المولدات الخاصة. ونظراً لاعتماد لبنان على استيراد معظم احتياجاته الغذائية، فإن كل هذه التكاليف تنعكس مباشرةً على المستهلك.

يُواجه قطاع الكهرباء تحدياً مضاعفاً مع استمرار ارتفاع أسعار النفط، إذ إن الاعتماد على المولدات يعني ارتفاعاً متزامناً في فاتورة الطاقة. وتحتاج مؤسسة كهرباء لبنان إما إلى مراجعة تسعيرتها بصورة متحركة وإما إلى العودة إلى سياسات الدعم التي كانت إحدى الأسباب الرئيسية للأزمة المالية الراهنة.

أولاً: إنشاء مجلس النقد (Currency Board)

يبرز إنشاء مجلس للنقد باعتباره الخيار الأجدى لوقف استنزاف احتياطيات العملات الأجنبية. يقوم هذا النظام على تغطية الكتلة النقدية بالليرة بالكامل بالدولار، وبما أن الكتلة الراهنة تبلغ 66 تريليون ليرة، فإن الكلفة اللازمة لا تتجاوز مليار دولار، أي ما يعادل ثلاثة أشهر فحسب من المبالغ المُنفقة حالياً في الدفاع عن سعر الصرف.

يُعالج مجلس النقد القلق السائد لدى المواطنين من انهيار الليرة، إذ يضمن تغطية كل وحدة نقدية بالدولار على سعر ثابت، مما يوقف عمليات التحويل من الليرة إلى الدولار ويُحافظ على الاحتياطيات، بل قد يُعيد زيادتها. وقد لجأت دول عانت من الحرب أو الأزمات الاقتصادية إلى هذا الحل، من بينها البوسنة وهونغ كونغ وإستونيا، وكلها خرجت منه بنتائج إيجابية.

ثانياً: ترشيد الإنفاق العام

تعاني الإدارة اللبنانية من فائض يُقدَّر بنحو 50% في بعض أجهزتها ودوائرها، مما يُثقل كاهل الخزينة دون مردود يُذكر. تكشف المقارنة بين نسبة الأساتذة إلى التلاميذ في المدارس الرسمية مقارنةً بالمدارس الخاصة عن فارق يُقارب الضعف، في حين يُفضّل نصف الأهالي إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة على الرغم من كلفتها المرتفعة.

يُوصى باتخاذ إجراءات فعلية لإعادة الهيكلة الإدارية بما يُتيح للدولة تخفيض نفقاتها، وبالتالي تحرير موارد مالية لصالح رفع مستوى الرواتب والتقاعدات للعاملين المنتجين في القطاع العام. فمن المستغرب أن يتقاضى موظف أمضى 44 أو 45 عاماً في خدمة الدولة راتب تقاعد لا يتجاوز 1,200 دولار أو ما يوازيها، وهو مبلغ لا يعكس لا جهوده ولا حقوقه المكتسبة.

ثالثاً: تخفيض الضرائب والرسوم الجمركية

تقليص الرسوم الجمركية على السلع المستوردة وتبسيط الإجراءات يُسهمان في كبح موجة الغلاء الناجمة عن الحرب. فبدلاً من فرض رسوم تتراوح بين 20% و30%، يُوصى باعتماد رسم جمركي موحد لا يتجاوز 2%، مما يُخفف من كلفة الاستيراد التي تنعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والمحروقات وسائر السلع الأساسية.

إلا أن هذا التخفيض يستلزم في المقابل تخفيضاً موازياً في الإنفاق العام لضمان التوازن المالي، وإلا أفضى إلى عجز في الموازنة يُغذّي التضخم ويُفاقم الأزمة.

رابعاً: تمكين هيئة تنظيم قطاع الطاقة

شكّل تعيين هيئة ناظمة لقطاع الطاقة خطوةً إيجابية طال انتظارها، غير أن تمكينها من ممارسة صلاحياتها الفعلية لا يزال متعثراً في غياب الاعتمادات المالية والمكاتب اللازمة. تُتيح هذه الهيئة، حين تُفعَّل، منح التراخيص لشركات توليد الطاقة الجديدة بما فيها الطاقة المتجددة، مما يُشكّل بديلاً للمولدات الخاصة ويُخفف الأعباء عن المواطنين ويُقلل الاعتماد على المحروقات المستوردة.

يمتلك لبنان احتياطياً من الذهب تتراوح قيمته حول 40 مليار دولار. يُوصى بعدم المساس بهذا الاحتياطي في المرحلة الراهنة، وذلك لاعتبارات عدة:

أولها أن الذهب يُشكّل ركيزة ثقة أساسية لدى المواطنين تجاه الليرة، وأي تصرف متسرع فيه سيفضي إلى تبديده في غضون سنة أو سنتين دون معالجة حقيقية للأسباب الهيكلية للأزمة. ثانيها أن التجارب السابقة تُثبت أن المبالغ المصروفة من الخزينة العامة في ظل غياب الإصلاح تتسرب في أغلب الأحيان عبر العقود المُضخّمة والهدر الإداري. وثالثها أنه في حال الإقدام على مجلس النقد وتغطية الليرة بالدولار، تنتفي الحاجة الآنية إلى الذهب بوصفه ضماناً للعملة.

يُستحسن اللجوء إلى الذهب فقط بعد إرساء الإصلاحات الهيكلية وتحقيق فائض في الموازنة العامة، وضمان عدم توجيهه نحو نفقات غير منتجة.

أحرزت الحكومة اللبنانية تقدماً ملموساً في تلبية جملة من الشروط المسبقة التي طالب بها صندوق النقد الدولي قبل إبرام اتفاق على مستوى الموظفين، أبرزها: الحفاظ على موازنة متوازنة، وإصلاح قانون السرية المصرفية الذي أُقرّ في البرلمان، وإقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، وإقرار قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء. كما يُعدّ الاستقرار النقدي النسبي الراهن متطلباً وفي صندوق النقد الدولي.

أجرى وفد لبناني رفيع المستوى ضمّ وزير المالية ووزير الاقتصاد وحاكم مصرف لبنان اجتماعات في فرنسا مع ممثلي الصندوق في مارس 2025، لمناقشة إطار مالي متوسط الأمد بوصفه ممراً إلزامياً للتفاوض مع الدائنين الأجانب واستعادة الملاءة المالية للدولة اللبنانية.

تبقى الحرب عاملاً معقِّداً في مسار هذه المفاوضات، لكنها لا يجب أن تكون مسوّغاً لتأجيل الإصلاحات، بل ينبغي أن تُسرّع وتيرتها. فكل شهر يمر دون إصلاح هيكلي يُعمّق الهشاشة المالية ويُضيّق هامش المناورة أمام صانعي السياسات الاقتصادية.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على راديو لبنان