اقتصاد لبنان بعد صدمة الحرب.. “وجعٌ على البارد”

الحرب

بعيدًا عن الجدل العقيم حول من انتصر بصموده أو انهزم بالعجز عن تحقيق أهدافه في الحرب المستمرة منذ 2023، فعلى الأكيد أن الاقتصاد اللبناني كان أكبر الخاسرين. وإذا وضعنا جانبًا الأرقام التي ما فتئت تشكّل وجهة نظر، وتثير تشكيك من يعتبرون أنفسهم ضالعين بالتقييم، حتى ولو أتت على لسان أعرق المؤسسات الدولية، يبقى اللايقين هو مصدر الفشل، وليست الخسائر المادية مهما كبرت. فالأخيرة يتكفّل الزمن بتعويضها، أمّا انعدام الثقة والخوف من المستقبل، فلا دواء يشفيهما إلا الإقفال أو الانتقال إلى الخارج، بأحسن الأحوال.

خطورة الحرب، التي تجدّدت في الثاني من آذار الماضي، على قطاع الأعمال، تكمن بكونها امتدادًا لحالة اللّااستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي التي شهدها لبنان منذ نهاية العام 2004.

تراجع القدرة على الصمود

على مدى أكثر من عقدين من الزمن، ذاق القطاع الخاص كل أشكال المرارة. وتراجع قدرته على الصمود نتيجة تتابع الأحداث لا يهدد وجه لبنان المبتكر والمجدد والخلاق فحسب، إنما أيضًا “واردات الدولة وقدرتها على الصمود”، بحسب رئيس “شبكة الشركات العائلية” وعضو شبكة القطاع الخاص اللبناني، ريكاردو حصري. والمفارقة برأيه أن “كل مدخول الدولة يتأتى من القطاع الخاص الشرعي، الذي لم يعد يمثل أكثر من 30% من مجمل الأعمال، فيما تصب كل مجهودها ضد هذا القطاع”. فتغرقه بالضرائب والرسوم، وتعجز عن تأمين الاستقرار، وترفع كلفة الخدمات، وتهشّل الاستثمارات، وتقوّض القضاء. والمحفّز الواحد والوحيد الذي يغذّي الإصرار على البقاء، من وجهة نظر حصري، يكمن في أن “80% من القطاع الخاص هو عبارة عن شركات عائلية متجذّرة في المجتمع، إن خسرت من جهة، تعوّض من الجهة الثانية ببقائها بالقرب من أهلها وناسها وعمالها”. فيما إذا كان المعيار هو الربح المادي الصافي فقط، يضمن حصري ألا تبقى شركة أو مؤسسة في لبنان.   

الحرب
حصري: الشركات العائلية حافز للصمود

الحرب التي فلتت من عقالها، وانتقلت أخيرًا من الصراع العسكري المضبوط إلى التنكيل بالمدنيين في المدن والأحياء على امتداد الخريطة اللبنانية، “نقلت الاهتمام من الاقتصاد والاستثمار إلى النجاة بالحياة”، برأي رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، توفيق دبوسي. فتراجع الهمّ الاقتصادي إلى المرتبة الثالثة بعد ضمان البقاء، والقدرة على تأمين أبسط المتطلبات.

الحرب
دبوسي:الأولية للبقاء على قيد الحياة

التداعيات على القطاعات

كما يقال في الأمثال الشعبية: “الحروق، يجي وجعها عالبارد”، فإن توقّف الحرب سيتكشّف عن خسائر باهظة بمختلف القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية والخدماتية.

صناعيًا، توقفت معظم المعامل في المناطق الحامية جنوب صيدا، وفي الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، وجزءًا من البقاع، بحسب ما يفيد نائب رئيس جمعية الصناعيين، جورج نصراوي. البعض من هذه المعامل تمتلك القدرة على تأمين رواتب عمالها لمدة شهر فقط، فيما فقدت الأغلبية القدرة على ذلك، ولن تستطيع تسديد متوجباتها طالما الإنتاج متوقف. وما يُبحث من حلول على صعيد “الجمعية” لضمان الاستمرارية والقدرة على تأمين الرواتب والإيفاء بالالتزامات على المدى القريب جدًا، لن ينفع على المدى البعيد فيما لو طالت الحرب.

الحرب
نصراوي:قدرة المصانع على الصمود تتراجع

أما لجهة الأكلاف، فيقول نصراوي إن “ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وأجور النقل البحري والمرفأ والتأمين، رفعت الكلفة الإنتاجية على الصناعيين، وهناك جهود تُبذل للحد من رفع أسعار المنتجات وعدم وضع أي زيادات إلا في إطار تعويض الأكلاف الإضافية التي فرضتها الحرب، ولا سيما لجهة أسعار الطاقة. مع العلم أن كلفة الطاقة من الإنتاج الصناعي تتراوح بين 5 في المئة و35 في المئة، والانعكاس على الأسعار سيكون ضمن هذه الحدود، وبحسب تأثر كل صناعة بالعوامل المستجدة التي فرضتها الحرب، على أن تعود الأسعار إلى ما كانت عليه فور انتفاء السبب”.

تجاريًا، يبدو الوضع أسوأ بما يُقاس. “نحو 15 في المئة من المحال التجارية أقفلت ظرفيًا في مختلف الشوارع التجارية في العاصمة بيروت”، يقول رئيس جمعية تجار بربور، رشيد كبي، وذلك نتيجة مجموعة من الأسباب الأمنية والاقتصادية. فالكثير من أصحاب المحال والمؤسسات القاطنين خارج بيروت أحجموا عن القدوم إلى العاصمة إلا ليوم أو يومين في الأسبوع، بسبب مخاطر الطريق والخوف من الاستهدافات، والتي لم يكن آخرها إصابة الشارع بأضرار بالغة في القصف الأخير على المدينة. أما من الناحية الاقتصادية، فيلفت كبي إلى عدم قدرة أصحاب المؤسسات على تحمّل الزيادة في الأكلاف التشغيلية التي فرضتها الحرب في ظل انعدام الطلب، حيث “تربلت” كلفة اشتراك المولد، وزادت الفاتورة التي تُدفع على المياه، وتضاعفت كلفة النقل. في المقابل، تراجع الطلب بنسبة 90 في المئة على مختلف السلع والمواد غير الغذائية التي تمثل نحو 80 في المئة من الثقل التجاري. وعليه، فضّل الكثير من أصحاب المؤسسات إقفالها مؤقتًا، بحسب كبي، مع احتمال أن يتحول هذا الإقفال إلى دائم إذا طالت الحرب.

الحرب
كبي:15% من المؤسسات اقفلت ظرفيا

المحروقات لم تسلم أيضًا من تراجع الطلب. فإحجام المواطنين عن التنقل، والعمل عن بُعد في العديد من القطاعات، والنزوح من مناطق واسعة تشكل ثلث مساحة الوطن.. عوامل أُضيفت إلى ارتفاع أسعار المحروقات بأكثر من 60 في المئة، و”أدت إلى تراجع استهلاك البنزين بنسبة 25%”، يقول نقيب أصحاب المحطات، د. جورج براكس، “فانخفض الطلب اليومي من 8 ملايين ليتر إلى 6 ملايين ليتر”.

الحرب
براكس: استهلاك المحروقات تراجع بين 20 و25%

أما فيما يتعلق بالمازوت، فـ”التراجع كان أقل بقليل”، بحسب براكس، و”بلغت نسبته نحو 20%، نظرًا لبقاء الطلب مرتفعًا نسبيًا لتأمين التدفئة وتشغيل مولدات الاشتراكات، ومع هذا تراجع الاستهلاك خلال شهر آذار من 10 ملايين ليتر يوميًا إلى حدود 8 ملايين ليتر”.

الحرب
تطور اسعار المحروقات منذ بدايةالعام

براكس، الذي يشغل أيضًا منصب رئيس جمعية تجار شارع بدارو التجاري والسياحي، لفت إلى تأثر الحركة في الشارع بشكل كبير بأحداث هذا الشهر، خلافًا للفترة الماضية، مسجّلًا إقفالًا ظرفيًا في العديد من المؤسسات، نظرًا لتراجع إقبال المواطنين على الخروج وتوفيرًا للأكلاف التي أصبحت كبيرة على أصحاب الأعمال.

تقديرات الخسائر قليلة مهما بلغت

خلافًا للعديد من الآراء التي تعتبر أن الأرقام التي تُطلق عن خسائر الحرب مبالغ فيها، يعتبر الخبير الاقتصادي عدنان رمال أن هذه الأرقام تبقى أقل من الواقع الفعلي مهما بلغت. فالخسائر في الممتلكات المقدّرة على أساس الوحدة السكنية لا تأخذ بعين الاعتبار حجم العقار ونوعه وما يتضمن من زخرفة ومقتنيات ومفروشات وتحف، وغيرها الكثير من الأمور. كما لا تُحتسب من ضمن الخسائر قيمة البضائع والمخزون بالنسبة للوحدات التجارية، ومدى تأثيرها أو انعكاسها على مجمل الحركة التجارية والصناعية. هذا بالشكل العام، ومن دون الدخول في تفاصيل الأرقام بالنسبة للخسائر المباشرة. أما بالنسبة إلى الأضرار غير المباشرة، فيقدّر أنها كبيرة جدًا، ذلك أن المناطق التي تركها قاطنوها تمثل ما بين 25 و30 في المئة على الأقل من الحركة الاقتصادية، ويمكن أن تصل إلى 50 في المئة إذا أخذنا بعين الاعتبار انعكاسها على مجمل الحركة العامة في مختلف المناطق والأسواق.

 

الحرب
رمال: الاقتصاد فقد 30% من نشاطه اليومي

الأمور لن تقف عند هذا الحد، بل إن الحرب ستؤدي حكمًا إلى تراجع الإيرادات العامة، نظرًا لتراجع النشاط الاقتصادي، وتعجز العديد من الأفراد والمؤسسات عن تسديد الضرائب والرسوم من جهة، وتمديد مهَل التسديد من الجهة الثانية. وهذا ما يُسقط، من وجهة نظر رمال، كل النظريات التي تقول إن مناطق أو فئة من السكان لا تسدد الضرائب. فالإيرادات تتأثر بأكثر من 80 في المئة منها من الضرائب غير المباشرة التي يسددها المواطنون الأكثر عددًا، الذين يستهلكون أكثر، فهم يدفعون ضريبة أكثر. إنما لجهة النفقات العامة، لا يتوقع رمال ازديادها، لكون لبنان يفتقر إلى دولة رعاية، والمساعدات بشكل عام وخاص تأتي من الخارج.

ما الحل؟

إزاء هذا الواقع المعقّد والخطير، يُفترض المبادرة سياسيًا واقتصاديًا ونقديًا بمجموعة من الخطوات لتدارك انحدار أو سقوط البلد إلى ما لا تُحمد عقباه.

  • على الصعيد السياسي، يطالب عدنان رمال الدولة بالتحرك جديًا نحو المؤسسات والمحاكم الدولية للمطالبة بتعويض إسرائيل الخسائر المادية والبشرية التي مُني بها لبنان.
  • أما اقتصاديًا، فيُفترض البارحة قبل اليوم، واليوم قبل الغد، فتح القطاعات العامة على المنافسة، والسماح بدخول القطاع الخاص والاستثمار في الكهرباء والاتصالات والمياه، ومعالجة النفايات والصرف الصحي، لتخفيض الأكلاف عن المواطنين وتأمين الخدمات بجودة عالية.
  • ويُفترض أيضًا العمل على رؤية لامركزية لتطوير المرافئ الاستراتيجية في المناطق والأطراف، حيث يمكن أن تضطلع مدينة طرابلس ودورها بدور اقتصادي ولوجستي يتخطى لبنان ليصل إلى منطقة شرق المتوسط، يقول توفيق دبوسي، من خلال تأمين المناخات المناسبة وحشد الدعم لتنفيذ رؤية الغرفة التجارية لإنشاء مرفأ محوري ومطار محوري ومنطقة اقتصادية محورية في طرابلس، تخفف الضغط عن بيروت، وتجذب الاستثمارات، وتخلق فرص عمل، وتساهم في تنمية لبنان والمنطقة.
  • أما على الصعيد الداخلي، فيُفترض جلوس الدولة مع القطاع الخاص على طاولة حوار، والاتفاق لمرة واحدة ونهائية على كيانية هذا البلد ومستقبله ودور أبنائه، يقول حصري، والعمل بشكل جدي على حماية القضاء وتأمين الأمن والأمان لجذب الاستثمارات والمحافظة على ما تبقى من أعمال.

الحرب ستنتهي، ليبقى السؤال: ما الذي ستنتهي إليه؟ وهذا السؤال الذي يخشاه كل الخبراء والمعنيين في الشأنين العام والخاص. فالخوق أن تنتهي بوضع البلد في موقف أسوأ مما كان عليه لبنان قبلها. وغدًا لناظره قريب.