يعود عدم تأثر الأسواق بشكل كبير بالحروب الأخيرة إلى مجموعة من العوامل المتشابكة. تفسّر هذه الظاهرة بأن الأسواق لم تتعامل مع الحرب الأمريكية الإيرانية على أنها نزاع طويل الأمد، بل اعتبرتها حربًا إقليمية محدودة النطاق، خلافًا للحرب الروسية الأوكرانية التي امتدت تأثيراتها إلى الدول الأوروبية وسلاسل الإمداد العالمية. كذلك، وجدت الأسواق طرقًا سريعة للتكيف مع صدمة النفط، التي تُعد من أكثر الصدمات تأثيرًا على الاقتصاد العالمي، وذلك من خلال تخفيض الإنتاج، كما فعلت الصين بنسبة خمسين بالمئة، والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية التي سحبت أكثر من مئة مليون برميل، إضافة إلى إيجاد ممرات بديلة لمضيق هرمز، ما حال دون ارتفاع كبير في أسعار النفط.
إن مؤشر إس آند بي خمسمئة تمكّن من تعويض خسائر جائحة كورونا القياسية خلال ستة أشهر فقط، ما يعكس قوة البنية المالية العالمية ومتانة الشركات الكبرى المدرجة ضمنه، خصوصًا في القطاعين الصناعي والتكنولوجي. وتحقق هذا التعافي بفضل الإقبال الكبير على شراء الأسهم، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إذ توقّع المستثمرون تحقيق عوائد مرتفعة على هذه الأسهم، الأمر الذي انعكس إيجابًا على المؤشرات الأوروبية والآسيوية أيضًا.
في المقابل تلعب التكنولوجيا المالية دورًا محوريًا في تعزيز وعي المستثمرين بتنويع محافظهم الاستثمارية والتحوط من المخاطر، إذ ساهم دخول أدوات الذكاء الاصطناعي والمستشارين الماليين الآليين في تحديد خيارات استثمارية أكثر دقة، وتقليص سقف المخاطر، خصوصًا لدى المستثمرين الأقل خبرة. كما بيّنت أن المستثمرين باتوا يوزعون أموالهم بين السندات الأمريكية وأسهم التكنولوجيا والذهب والسلع الزراعية والمعادن، بناءً على قراءات مستقبلية مرتبطة بالمناخ وسلاسل الإمداد.
اضافةً الى ذلك فإن التنسيق بين السياسات النقدية للبنوك المركزية عزز استقرار الأسواق، إذ حافظ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على استقرار سعر الفائدة رغم الضغوط السياسية، حرصًا على السيطرة على التضخم. كما أن التراكمات الحالية في الأسواق العالمية، لا سيما في الاستثمارات الضخمة بأدوات الذكاء الاصطناعي، قد تنذر بفقاعة أو تضخم غير مسبوق إذا لم تحقق هذه الاستثمارات العوائد المتوقعة، مضافًا إلى مخاطر تضخمية طويلة الأمد مرتبطة بعوامل ديموغرافية وهيكلية أعمق.