التقاط “اللحظة” الأميركية يتطلب راداراتٍ تعمل على موجة الأمن والإصلاح.. والسعودية خير مثال أنْ يشجّع رئيس الولايات المتحدة على الاستثمار في لبنان، ويرفع الحظر عن هبوط شركات الطيران الأميركية في مطاره، ليس تفصيلاً عابراً. على هذا الموقف تُبنى ثابتتان اقتصاديتان، لبنان بأمسّ الحاجة إليهما: الثقة أولاً، والعائد الاقتصادي ثانياً.
خلال استقباله رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون في البيت الأبيض، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يريد مساعدة لبنان “بشكل كبير”. ولتحقيق ذلك، شجّع الشركات الأميركية على الاستثمار في لبنان، ووجّه إدارته إلى السماح لشركات الطيران الأميركية باستئناف الرحلات المباشرة إلى بلاد الأرز، بعد انقطاع دام نحو نصف قرن.
الإستقرار أولاً
ما تبادر إلى مسامعنا كان حديثاً عن مساعدات أميركية وازنة، وضخّ أموالٍ هائلة، وهبوط طائرات تحمل النجوم؛ أو، في الحد الأدنى، هذا ما أرادت آذاننا المتعطشة إلى خبرٍ إيجابي أن تسمعه. لكن الحقيقة أن كل هذه الحوافز مرهونة بأمرين أساسيين: الأمن والإصلاح. فلن يُنفق على لبنان دولاراً واحداً ما لم “تتوافر بيئة مستقرة وآمنة”، كما قال ترامب، في إشارةٍ واضحة إلى أن الأمن والإصلاحات هما الشرطان الأساسيان لجذب الاستثمارات.
هذا هو النصف الفارغ من كوب الوعود الرئاسية الأميركية، الذي تقع على لبنان مسؤولية ملئه عبر إحكام الدولة سيطرتها على مرافقها الأمنية والقضائية والعسكرية، واستكمال الإصلاحات البنيوية فعلاً لا قولاً؛ وإلا فإن كل الوعود لن تترجم إلى أفعال.
العبرة في التطبيق
منذ عام 2025، استطاع لبنان تحقيق نقلةٍ نوعيةٍ على صعيد إقرار المراسيم التطبيقية للقوانين الإصلاحية. فولدت الهيئات الناظمة لقطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران المدني والقنب الهندي. كما عُدِّل قانون السرية المصرفية ليتوافق مع المعايير الدولية، وأُقِرَّ قانون إعادة هيكلة المصارف، وأُنجِز مشروع قانون الانتظام المالي، فضلًا عن إقرار قانون حماية المستهلك ليكتمل مع قانون المنافسة المُقرّ سابقًا. وكان لافتاً أيضاً إصدار مصرف لبنان ووزارة العدل تعاميم لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وغنيٌّ عن القول إن هذه القوانين تُشكّل حجر الزاوية في جذب الاستثمارات الأجنبية وتنويعها في مختلف القطاعات الحيوية.
على النقيض من تسميتها “مراسيم تطبيقية”، فإن أكثر ما ينقص هذه المراسيم هو الآليات التنفيذية. فالهيئات شُكِّلت من دون تمكينٍ فعليٍّ، إذ تفتقر إلى التمويل اللازم والموارد البشرية، ولا تملك حتى مقارَّ فعليةً، كما هو حال هيئة تنظيم الكهرباء. أما القوانين المالية والنقدية، فهي مترابطة في التطبيق، بحيث إن تعطيل أحدها يؤدي إلى تعطيل سائرها، لتبقى جميعها حبراً على ورق. فقانون إعادة هيكلة المصارف أُعيد فتحه لإجراء تعديلاتٍ عليه، فيما أُعيد مشروع قانون الانتظام المالي إلى الحكومة لإعادة درسه وتعديله.
وعليه، فإن ما أُنجِز حتى الآن لا يتجاوز كونه جعجعةً بلا طحينٍ؛ إصلاحاتٌ على الورق، لكنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى التنفيذ الفعلي، وهو وحده الكفيل باستعادة الثقة وجذب الاستثمارات.
الأفعال أبلغ من الأقوال
بالتوازي مع إعلان ترمب رفع الحظر عن شركات الطيران الأميركية للقدوم إلى لبنان، كانت شركة “دلتا إيرلاينز” (Delta Air Lines) تعلن عودتها الفعلية إلى السوق السعودية بعد غيابٍ دام 20 عامًا، لتصبح أول شركة طيران أميركية تستأنف رحلاتها إلى المملكة منذ ذلك الحين. وتمحورت عودة هذه الشركة، التي تُصنَّف ضمن كبرى شركات الطيران في العالم من حيث حجم الأسطول وعدد المسافرين والإيرادات، حول عاملين أساسيين: السلامة أولاً، والجدوى الاقتصادية ثانياً. فحسب رئيس “دلتا إيرلاينز”، بيتر كارتر، فإن “التغيرات التي شهدتها السعودية خلال الأعوام الماضية، والاستثمارات المتسارعة في القطاعات الاقتصادية الجديدة، عززت قرار الشركة”، مضيفاً في حديثٍ إلى صحيفة “الشرق الأوسط”: “نحن مقتنعون بأن هذه مجرد بداية لدولة فريدة تركز على الاستثمار في القطاعات الأسرع نموًا، مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والسياحة والترفيه والطاقة الخضراء”.
إذا كانت السعودية، بما تمثله من ثقلٍ اقتصادي وسياسي، وباعتبارها حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة وعلاقاتها المتينة مع مختلف الإدارات الأميركية، احتاجت إلى 20 عامًا وإلى تحولاتٍ اقتصاديةٍ جذريةٍ لتعود إلى خريطة الطيران الأميركي، فهل يمكن للبنان أن يجذب شركات الطيران العالمية لمجرد أنه “بلد الأرز ولؤلؤة المتوسط”؟
من البديهي أن الجواب هو: لا. فشركات الطيران الكبرى لا تبني قراراتها على الصورة النمطية أو العاطفة، بل على معايير واضحة: الأمن، والاستقرار، وحجم السوق، والجدوى الاقتصادية، والقدرة على ضمان استمرارية التشغيل.
الاستثمارات النفطية
ما ينطبق على شركات الطيران الأميركية ينسحب على بقية الشركات، ولا سيما في المجال النفطي الذي قد يكون الأكثر استقطابًا للاستثمارات الأجنبية. فشركات مثل “شيفرون” و”كونوكوفيليبس” قد تكون مهتمة بالتنقيب عن النفط في بحر لبنان، لكنها تريد أولًا الاستقرار، والأمن، والقضاء النزيه. وهذه الشركات، التي بدأت تعمل حديثاً في سوريا، لم تعد إلا بعد تحسن الأوضاع الأمنية والسياسية وتوافر بيئة أكثر استقراراً.
التقاط “اللحظة” الأميركية يتطلب أكثر من رادارات التوافق السياسي. فالاستثمارات تتحرك على موجةٍ مرتفعةٍ من الأمن والاستقرار، ويبدو أن هذا الشرط ما زال بعيداً عن لبنان. ولعلّ الدليل الأبرز على ذلك هو استمرار الشغور في هيئة الشراء العام، بعد انتهاء ولاية رئيسها جان العلية وعدم تعيين بديلٍ له، إلى جانب عدم استكمال تعيين أعضاء الهيئة منذ عام 2024، فضلًا عن غياب جهازٍ بشريٍّ متكاملٍ. فهذه الثغرات تشكّل عاملاً مُنفّراً للمستثمرين، وتعيق استعادة الثقة بقرارات الدولة وتلزيماتها، العلنية منها والمخفية.
