موازنة 2027: الاستقراران النقدي والمالي.. أولوية لا تحتمل المخاطر

موازنة 2027

قلما أولت الموازنات في لبنان اهتماماً مباشراً بالوضع النقدي؛ أو على الأقل، هذا ما اعتدنا عليه في سنوات ما قبل الانهيار، حين كان الاتكال على مصرف لبنان لتمويل العجوزات بالسلف، وعلى التحويل المفتوح لليرات “المُطبّعة” إلى دولارات. دفع اللبنانيون، والمودعون خصوصاً، ثمن هذه السياسات من مدّخراتهم، حتى أجيال كاملة، قبل أن يُعتمد نهج أكثر صرامة في الانضباط المالي والنقدي. وهذا تحديداً ما تعود موازنة 2027 إلى تأكيده، ليس لسنة واحدة فحسب، بل ضمن رؤية متوسطة الأجل تمتد من 2026 إلى 2030.

خلافاً لما درجت عليه العادة، بتقدّم فرسان الموازنة مشاريع الموازنات، استبقت موازنة 2027 بتقرير مفصل ترجم الخيارات التي ستعتمدها الدولة خلال السنة القادمة. وإن كان هذا التقرير يتضمن مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمالية، فإن ما يلفت الانتباه هو التأكيد على الاستمرار بسياسة “التعقيم المالي”. وذلك بوصفه أحد الركائز الأساسية للاستقرار النقدي اليوم. فهو يساهم بتعزيز تراكم احتياطات مصرف لبنان، ويسهل معالجة تداعيات السحوبات والتحويلات المقيدة من خلال التعاميم.

التعقيم المالي

يقع “التعقيم المالي” ضمن خانة “الانضباط المالي”، ويقوم على ترشيد الإنفاق والإدارة الحذرة للسيولة. وبحسب تقرير موازنة 2027، لا تعد هذه الخيارات تقنيةً فحسب، بل أدوات أساسية لحماية الاستقرار الاقتصادي والحد من التضخم. وقد سمح الحفاظ على أرصدة مالية إيجابية للخزينة بمواصلة دعم استقرار سعر الصرف من دون استنزاف احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية.

أرقام المركزي

ما يقوله التقرير تعكسه بالأرقام الميزانية نصف الشهرية لمصرف لبنان الصادرة أخيراً. فاحتياطات النقد الأجنبي حافظت، بحلول نهاية آب، على استقرارها عند 11 ملياراً و566 مليون دولار، وذلك على الرغم من استمرار الحرب وتراجع التدفقات النقدية من الخارج والداخل. في المقابل، وصلت ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان إلى نحو 10 مليارات و259 مليون دولار.

وفيما خصّ الكتلة النقدية بالليرة، فهي، وإن ارتفعت بنسبة 2.3% بين منتصف الشهر وآخره، من حدود 56,232 مليار ليرة إلى 57,604 مليارات، لا تزال منخفضةً ولا تمثل أي ضغط أو تهديد على سعر الصرف جراء زيادة الطلب على الدولار.

مرتكزات الحفاظ على الاستقرار النقدي

يقوم الاستقرار النقدي، المنوي المحافظة عليه، كما يستدل من تقرير موازنة 2027، على مرتكزين أساسيين جرى إرساء دعائمهما منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة تقريباً.

المرتكز الأول نظري، ويقوم على التنسيق الكامل بين وزارة المالية ومصرف لبنان. المالية تتعهد الاستمرار بترشيد الإنفاق، وإدارة الخزينة بصورة سليمة، وتعزيز الجباية بالليرة اللبنانية. في المقابل، يتوقّف مصرف لبنان عن تمويل الدولة بالسلفات بالدولار والليرة، ويحدّ من طباعة النقود إلا لتلبية حاجات المؤسسات والأفراد إلى تسديد الضرائب، وبالتالي تقليص الكتلة النقدية بالليرة إلى الحد الأقصى.

إلا أن هذه التعهّدات، على أهميتها، لم تكن لتنجح على أرض الواقع لولا دقة التنفيذ، وهي الركيزة الثانية التي قامت عليها هذه السياسة. ففي ربيع العام 2023، جرى إقصاء جميع شركات تحويل الأموال والصرافين الذين عُهد إليهم بجمع الدولار من السوق لصالح مصرف لبنان، مقابل عمولة تبلغ 3%، وإيكال المهمة إلى جهة واحدة. وقد أدى هذا الإجراء سريعاً إلى تراجع سعر الصرف واستقراره حتى اليوم، وتوفير الأكلاف على خزينة الدولة، وزيادة احتياطيات مصرف لبنان. كما قضى على المنافسة الجشعة التي كانت تدفع سعر الصرف إلى الارتفاع للحصول على دولارات أكثر ونيل عمولة أكبر.

كذلك، فإن حصر التعامل في السوق بجهة واحدة خفّض مخاطر تبييض الأموال، من خلال ضبط جميع التعاملات عبر جهة واحدة، واتباع إجراءات العناية المعززة، وعدم التعامل مع أي جهات معاقبة أو حتى مشبوهة. وتفيد مصادر معنية بأن “هذا الخيار أعاد تأكيد صوابيته في بداية الحرب على إيران، حين خشي مصرف لبنان تراجع تدفق الدولارات إلى الاقتصاد، فكلف مجموعة من المصارف مهمة الدخول إلى السوق والمساعدة في الآلية”. وكانت النتيجة بحسب المصدر “خطأً مزدوجاً: انخفض سعر صرف الليرة، إذ ارتفع سعر الدولار إلى 89,800 ليرة، مهدداً بتجاوز عتبة الـ90 ألفاً، كما تراجعت قدرة المصارف على تلبية سحوبات زبائنها من الدولارات النقدية، وفقاً للتعاميم. فما كان من مصرف لبنان إلا أن تراجع سريعاً عن هذا الخيار، ليعود الاستقرار إلى سعر الصرف”.

بانتظار الإصلاحات

موازنة 2027 عادت لتؤكد، من الآن ولغاية 2030، أن الحفاظ على أرصدة مالية إيجابية يبقى توجهاً سياسياً أساسياً في المرحلة الحالية، وذلك إلى حين استكمال إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتنفيذ استراتيجية واضحة وقابلة للاستدامة لاستعادة الودائع. مع التشديد على أن القيد المالي الصارم الذي يحكم موازنة 2027 لا يعني تجميد دور الدولة، بل إعادة توجيه الموارد المحدودة نحو الأكثر إلحاحاً والأعلى مردوداً اقتصادياً واجتماعياً.

على الرغم من ازدياد الحاجات الاجتماعية والإنمائية، فإن زيادة الإنفاق في ظل هذه الظروف تهدد بعودة التضخم من الباب العريض. فمن دون تراجع في سعر الصرف، ارتفع معدل التضخم، وفق مؤشر أسعار المستهلك، من نحو 11% في بداية العام إلى 16% في منتصفه. وبحسب العلاقة العكسية بين التضخم والقدرة الشرائية للأجور، فإن ارتفاع المستوى العام للأسعار بنسبة 10%، مع ثبات الأجر الاسمي، يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية للأجر بنحو 9.1%. ومن شأن عودة التضخم إلى الارتفاع بقفزات كمية ونوعية، كما كان يحدث قبل عام 2023، أن تقوّض أثر السياسات الاقتصادية كافة، وأن تزيد من معاناة المواطنين وتثقل كاهل الخزينة، وهو ما تتحاشى الحكومة العودة إليه، في ظل بطء الإصلاحات البنيوية في القطاعين العام والمصرفي، بشكل خاص.