مشهدان منفّران تصدّرا واجهة الأحداث أخيراً، الأول: شلّ موظفو القطاع العام بالإضرابات. والثاني: موازنة تأخذ من جيوب المواطنين لتعطي الموظفين.
المشترك بين المشهدين هم أبناء الدولة. حقّهم مطالبة “أبيهم” بتحسين أوضاعهم المعيشية. وحقّ الاقتصاد عليهم رفع الراية الحمراء، والتحذير من أن مسار الأمور نهايته “المهوار”. فالمشكلة مع كل من يتقاضى مالاً عاماً، لا تنحصر بعدم استيعاب أنه لا يمكن استخراج المزيد ممن لا يملك المزيد أصلاً، أو كما يقول المثل الإنكليزي الشهير: “You can’t get blood from a stone”، إنما باستحالة عدم تأمين الإيرادات من جيوب المواطنين في ظل عدم القيام بالإصلاحات البنيوية، وأولها القطاع العام نفسه.
تمويل الزيادات على رواتب الموظفين
في حوار على إذاعة صوت لبنان، ضمن برنامج “نقطة على السطر”، جمعني ورئيس رابطة موظفي الإدارة العامة رائد حمادة، كان النقاش يدور حول مصادر تمويل الزيادات على الرواتب. حمادة شدّد على رفض الموظفين زيادة رواتبهم من جيوب المواطنين. وعند سؤاله عن البدائل، قال: هي كثيرة، ومنها مكافحة الفساد، والإصلاح، وزيادة الجباية، وتسوية المخالفات على الأملاك العامة.. موقف لا غبار عليه، يتشاركه حمادة مع أكثرية الموظفين. لكن هل هذا فعلاً ما يُعمل عليه، ويحصل على أرض الواقع؟
موازنة تقوم على ضرائب الاستهلاك
لم يمضِ على الحديث أسابيع حتى أبصرت موازنة 2027 النور. الموازنة عاكست كل المطالب بالإصلاح الضريبي والمؤسساتي على حدّ سواء.
لجهة الإيرادات، يرفع مشروع الموازنة إجمالي الإيرادات من 6.05 مليارات دولار في عام 2026 إلى 6.91 مليارات دولار في عام 2027، أي بزيادة قدرها 859.9 مليون دولار، أو 14.2٪. أمّا الإيرادات الضريبيّة، فترتفع بوتيرة أسرع، من 4.94 مليارات دولار إلى 5.94 مليارات دولار، أي بنحو مليار دولار، أو 20.2٪، في حين تنخفض الإيرادات غير الضريبيّة بمقدار 135.7 مليون دولار.
ومع هذا، فإن السؤال الأكثر دلالةً هو: كيف تُجبى هذه الإيرادات؟
تبيّن دراسة مفصّلة حول مشروع قانون موازنة 2027 لمبادرة سياسات الغد، تحت عنوان “القيود الثلاثة: ما الذي يُبقي موازنة لبنان لعام 2027 عالقة في مكانها؟”، أن ضرائب الاستهلاك هي المهيمنة، وتشكّل 78.5٪ من الإيرادات الضريبيّة. وهي تؤمّن 552.4 مليون دولار من إجمالي الزيادة في هذه الإيرادات، منها: 327.9 مليون دولار من المحروقات والموادّ القابلة للاشتعال، و224.5 مليون دولار من ضريبة القيمة المضافة. ويمثّل هذا المبلغ 55.2٪ من إجمالي الزيادة في الإيرادات الضريبيّة.
في المقابل، فإن حصة ضرائب الدخل ارتفعت في موازنة 2027 من 12.1٪ إلى 14.2٪ من مجمل الإيرادات الضريبيّة. لكن معظم هذه الزيادة يأتي من الضرائب على أجور العاملين، لا من الضرائب على أرباح الشركات. وبصورة أكثر تحديداً، ترتفع إيرادات الضرائب على الأجور بمقدار 149.7 مليون دولار، أي بنسبة 66٪ مقارنةً بعام 2026، في حين ترتفع إيرادات الضرائب على الأرباح بمقدار 80.5 مليون دولار، أو بنسبة 22٪. أمّا الفئة الثالثة، أي ضرائب الثروة، فتسير في الاتّجاه المعاكس، إذ تنخفض حصّتها من 9.2٪ إلى 7.3٪، وتتراجع إيراداتها بمقدار 23.1 مليون دولار. وتنخفض الإيرادات المتأتّية من التسويات المتعلّقة بإشغال الأملاك العامّة البحريّة من 35 مليون دولار في عام 2026 إلى 16 مليون دولار في عام 2027.
إنفاق لتشغيل الدولة
في جانب النفقات، الأمور تبدو أكثر سوءاً بما لا يقاس. فالزيادة في الإيرادات بقيمة 859.9 مليون دولار تكاد تذهب بأكملها إلى النفقات الجارية. وتستأثر النفقات المرتبطة بالعاملين بأكثر من تسعة أعشارها. ما يعني، بحسب دراسة المبادرة، أنّ نموّ الموازنة يذهب أساساً إلى استعادة كلفة تشغيل الدولة.
الأمور لا تقف عند هذا الحد، فالزيادات في موازنات الوزارات الخدماتية توحي بأنّ ما يصل إلى الناس أكبر ممّا هو عليه فعليّاً. فمعظم الزيادة في التعليم والصحة والحماية الاجتماعيّة يذهب إلى الإنفاق على العاملين، في حين أنّه نادراً ما تحدّد الموازنة الخدمة التي سيموّلها الإنفاق.
وعلى سبيل الذكر لا الحصر، تذكر دراسة المبادرة التالي:
– يرتفع الإنفاق على التعليم بمقدار 97.1 مليون دولار، لكنّ 81.9 مليون دولار، أي 84.4٪ من هذه الزيادة، تذهب إلى تكاليف العاملين.
– يرتفع الإنفاق على الصحّة بمقدار 48.9 مليون دولار، لكن 21.4 مليون دولار، أي 44٪ من هذه الزيادة، تذهب إلى تكاليف العاملين بمقدار 6.9 ملايين دولار، وتكاليف الإدارة والمكاتب بمقدار 14.5 مليون دولار، فيما لا تزيد النفقات التشغيليّة المرتبطة بتقديم الخدمات على مليون دولار.
– أمّا الإنفاق على الحماية الاجتماعيّة، فيسجّل الزيادة الأكبر، إذ يرتفع بمقدار 505.1 ملايين دولار. ومع ذلك، يرتبط 462 مليون دولار، أي 91.5٪ من الزيادة، بالعاملين في القطاع العامّ، بما يشمل معاشات التقاعد، وصناديق العاملين، والمساهمات ذات الصلة.
مثلما هو واضح بالأرقام، فإن موازنة 2027 تأخذ من جيوب المواطنين لتعطي الموظفين. وكل الحديث عن إصلاح جدي في القطاع العام والنظام الضريبي ذهب “أدراج الريح”. ومع هذا، توجّهت رابطة موظفي الإدارة العامة إلى كل العاملين في الإدارة العامة والبلديات، وكل متضرر من تجاهل الحكومة لمطلب رفع بدل النقل، بالالتزام التام بالإضراب يومي الأربعاء والخميس من هذا الأسبوع، مع التعطيل القسري يوم الجمعة من كل أسبوع.
وعليه، ما زال الاقتصاد اللبناني يدور في الحلقة المفرغة نفسها؛ زيادات على الرواتب تؤدي إلى تضخم في الاسعار، وتدفع إلى المطالبة بالمزيد من الزيادات. كل ذلك يجري في ظل عدم إصلاح القطاع العام على قواعد واضحة وبما يخفف من الاعباء على المواطنين والاقتصاد.
