عادت “مغاور” إهمال الإصلاحات البنيوية لتردّد أصداء الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية في طول الوطن وعرضه. فبعد نحو ثلاث سنوات من امتصاص الأزمات بالتدابير المرحلية، أظهرت الحرب المحلية والإقليمية المستمرة أن “إسفنجة” كسب الوقت لم تعد قادرة على امتصاص الصدمات، فأعادت إلى الواجهة أصواتَ فقدان المداخيل لقدرتها الشرائية.
جوهر المشكلة يكمن في أن ما يتقاضاه الموظفون والأجراء أصبح قاصراً، بنسبة كبيرة، عن تأمين متطلباتهم البسيطة. وبالأرقام، خسرت المداخيل، الثابتة نسبيّاً، بين عامَي 2023 و2026 نحو 44% من قيمتها الشرائية. فمن كان دخله 700 دولار، وهو متوسط الأجور في القطاعين العام والخاص، أصبح بحاجة إلى نحو 1000 دولار لتأمين الحاجات نفسها.
ارتفاع النفقات
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في المداخيل بحد ذاتها. فهي زادت في القطاع العام من تسعة أضعاف الراتب الأساسي في نهاية 2023 إلى 19 ضعفاً حاليّاً، ويضاف إليها بدل إنتاجية وصفائح بنزين، ما رفع متوسط الرواتب إلى ما بين 50 و60% مما كانت عليه قبل الانهيار.
أما في القطاع الخاص، فإن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 300 دولار لم يؤثر فعليّاً في المداخيل لسببين. الأول، أن المؤسسات تعتمد هذا الرقم للتصريح عنه لدى الضمان الاجتماعي، فيما تعطي مبالغ مقطوعة على شكل مساعدات اجتماعية بالدولار النقدي. أما السبب الثاني، فهو أن إقرار رفع الحد الأدنى للأجور لم يعد يترافق مع زيادة غلاء معيشة، ما يحرم الأجور التي تساوي أو تفوق الحد الأدنى المعمول به من زيادات إضافية على الرواتب.
ما الذي تغيّر إذاً؟
المتغير الذي يضغط على القدرة الشرائية لا يتعلق بالإيرادات، بغضّ النظر عن محدوديتها، بقدر ما يتعلق بالنفقات. وهذه الأخيرة شهدت، خلال السنوات الثلاث الماضية عموماً، وفي بداية 2026 خصوصاً، ارتفاعات كبيرة نتيجة عاملين أساسيين.
- العامل الأول خارجي، ويتعلق بالتضخم العالمي وارتفاع أكلاف النقل والتأمين، وهو ما لمسناه بشكل جليّ في ارتفاع سعر صفيحة البنزين بنحو 120%، من نحو 14.7 دولاراً في بداية العام إلى حدود 32 دولاراً راهناً.
- أما العامل الثاني، فهو محلي، وينقسم بدوره إلى ثلاثة عناوين عريضة:
التصحيحات في الأسعار في العديد من القطاعات، وأهمها الصحة والتعليم والترفيه والإيجارات القديمة، التي زادت، على أساس سنوي ولغاية تموز الماضي، بنسبة 7.2% و35.72% و45.69% و32.37%، على التوالي.
ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني، حيث يؤدي انتشار الاحتكارات إلى عدم خفض الأسعار، ولا سيما في القطاع العام، حيث يترافق الاحتكار في الكهرباء والمياه والاتصالات والتبغ وألعاب القمار والطيران مع ارتفاع في الأسعار، يترافق في بعض الأحيان مع سوء في الخدمات. وهذا ما يضطر المواطن إلى اللجوء إلى البدائل ذات الكلفة المرتفعة.
الزيادات الكبيرة في الرسوم والضرائب في الموازنات العامة، حيث ارتفعت الإيرادات من 3.5 مليار دولار في موازنة 2024 إلى حدود 7 مليارات دولار في موازنة 2027، وتم تمويلها بشكل أساسي من رسوم الاستهلاك. وهو ما رفع الأسعار بشكل كبير جدّاً. وقد هدفت هذه الزيادات بشكل أساسي إلى تشغيل الدولة وزيادة الرواتب والأجور والتقديمات للموظفين.
تعزيز القدرة الشرائية للمداخيل
إذا كان من الصعب التأثير في أسباب التضخم العالمي ونتائجه، فإن تعزيز القدرة الشرائية للمداخيل القائمة ممكن من دون زيادتها، وذلك من خلال تحقيق الإصلاحات في القطاع العام، أولاً وأخيراً، وتخفيض أكلافه التشغيلية. وهذا التصحيح يرتبط بتخفيض أعداد الموظفين من جهة، والتخلص من المؤسسات الخاسرة التي لم يعد لوجودها مبرر من جهة ثانية، وفتح القطاعات الإنتاجية، مثل الكهرباء والمياه والاتصالات، على المنافسة بشكل دائم.
بهذه الطريقة، تتراجع حاجة الدولة إلى رفع الرسوم الاستهلاكية، وتتأمن الخدمات بأسعار أقل وجودة أعلى. ويكفي أن يكون المواطن اللبناني يدفع نحو 70% من متوسط دخله على الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل لنعرف حجم المشكلة، لكي ندرك أن الحل ليس في زيادة المداخيل، التي ستؤدي إلى المزيد من ارتفاع الأسعار، وإنما في تخفيض أسعار الخدمات من خلال تعزيز التنافسية.
زيادة الأجور ليس حلاً
المطالبة بزيادة الأجور في القطاعين العام والخاص لن تكون الحل من دون تحقيق الإصلاحات. كما أن الضغط من خلال الإضرابات التي ينفذها الموظفون وأساتذة الجامعة واتحاد النقل البري اليوم، وقد ينضم إليها غداً الأساتذة والمعلمون وموظفو البلديات وغيرهم، ستكون كلفته على الوضع المعيشي أشدّ فتكاً.
فأساساً، أي زيادة للأجور في ظل الانكماش الاقتصادي هي بمثابة انتحار اقتصادي، سواء في القطاع العام أو الخاص.
وبالتفصيل، فإن القطاع الخاص واقع في معضلة كبيرة، بحسب ما يقول نائب رئيس جمعية الصناعيين وممثلها في لجنة المؤشر، زياد بكداش. فالأعمال متراجعة بين 30 و50% جراء الحرب الإقليمية والحرب على لبنان، ومن غير الممكن زيادة أكلافه أكثر، ولا سيما أنه يدفع الأكلاف الاجتماعية التي هي أساساً من مسؤولية الدولة.
أما لجهة القطاع العام، فإن المعضلة قد تكون أكبر. فزيادة الأجور إلى 30 ضعفاً، مع التقديمات وبدل النقل إلى عشر صفائح بنزين، أو ما يعادل 15 دولاراً يوميّاً لبدل النقل، ستحتم عليها أحد أمرين: إما العودة إلى طباعة الأموال، وإما الدفع مما راكمته من احتياطيات. وفي الحالتين، فإن التوازن الدقيق الذي قام على كبح الإنفاق لتعقيم السوق النقدي وعدم التأثير سلبًا في سعر الصرف قد يصبح موضع تهديد.
وضع الليرة
تفيد مصادر مطلعة بأنه لو بقيت التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية مستمرة في التدفق إلى لبنان بالوتيرة السابقة، من تحويلات المغتربين والسياحة والمساعدات والاستثمارات، لكانت زيادة الأجور أسهل، كون الآلية المعتمدة بين وزارة المالية ومصرف لبنان تقوم على ضخ الليرات بمقدار تسديد الضرائب، بحدود 6 مليارات دولار، وامتصاص الدولارات. وبالتالي، فإن زيادة الأجور قد تزيد الإنفاق، وبالتالي تزيد امتصاص الدولار، وهذا أمر جيد، وخصوصاً أن الآلية التنفيذية لهذه الآلية محكمة وتقوم على جهة متخصصة واحدة، بعيداً عن فتح سوق جمع الدولارات أمام العديد من الجهات، بما يؤدي إلى المضاربة.
أما في حال تراجع تدفق الدولار وعودة العجز في ميزان المدفوعات، فإن الزيادة قد تكون مؤذية وتزيد الضغط على سعر الصرف، مما ستكون له تداعيات ثقلة.
يقال في الأمثال الشعبية اللبنانية: “بكي ساعة، ولا بكي كل ساعة”. فلو عمل بهذا المثل وجرى تطبيق الإصلاحات إعادة هيكلة القطاع العام باكراً، على قواعد واضحة وشفافة منذ بداية الانهيار، لكان الوضع صعباً في البداية على الموظفين لمرة واحدة، ولم يكن ليستمر طوال سبع سنوات. وعلى ما يبدو، سيستمر للسنوات الأربع المقبلة، لغاية العام 2027، كما يُفهم من الإطار المالي متوسط الأجل الموضوع في مشروع موازنة 2027.
وما ينطبق على القطاع العام ينطبق على القطاع الخاص. فقد جاء إهمال الحلول الناجعة للأزمة المالية وإعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر، وبالتالي استعادة عمل القطاع المصرفي السليم وعودة الأمور إلى طبيعتها، ليحوّل الأزمة من صدمة كان يمكن احتواؤها إلى أزمة ممتدة تستنزف الاقتصاد والمجتمع على حدّ سواء.
