إعادة هيكلة المصارف: هل يعيد الطعن الرئاسي القانون إلى نقطة الصفر؟

هيكلة المصارف

تقدّم رئيس الجمهورية جوزيف عون بطعن أمام المجلس الدستوري بقانون إعادة هيكلة المصارف رقم 23. وبحسب الاستنتاجات، ينقسم الطعن إلى شقّين:

الشقّ الأول يتعلق بالشكل، حيث استعمل رئيس الجمهورية حقّه المكفول دستورياً في المادة 19، بمراجعة المجلس الدستوري للتأكد من دستورية القوانين أو بعض المواد التي تتضمنها. ولم يلجأ الرئيس إلى استعمال المادة 57 من الدستور، التي تعطيه الحق في طلب إعادة النظر في القانون خلال مهلة شهر، وبالتالي إعادة القانون إلى مجلس النواب لمناقشته مرةً أخرى وإقراره من جديد بالغالبية المطلقة. وقد يكون السبب وراء ذلك اعتراض الرئيس على مادة واحدة من القانون، وليس على القانون برمّته، وطلبه إبطالها.

المادة 3

أما الشقّ الثاني، فيتعلق بالمضمون. فالمادة المطعون بها ما هي إلا المادة (3) تُعتبر الإشكالة، والتي كانت قد استحوذت خلال المناقشات التعديلية، على الكثير من الأخذ والرد بين الحكومة وصندوق النقد الدولي من جهة، ومصرف لبنان ومن خلفه بعض النواب من جهةٍ ثانية. ففي الوقت الذي شدّد فيه صندوق النقد على ضرورة اعتماد المعايير الدولية في معالجة حالات تعثّر المصارف، أصرّ مصرف لبنان على ضرورة تضمين المادة الالتزام بقانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70 منه.

الفرق بين تضمين المادة 3 عبارة “الالتزام بقانون النقد والتسليف” أو حذفها ليس تفصيلاً بسيطاً، بل هو إجراء قد يعيد قانون هيكلة المصارف إلى نقطة الصفر. فمن الأساس، كانت المادتان 3 و13 (إمكانية طلب الهيئة المصرفية العليا إصدار التعاميم)، محور النقاش الأساسي لمدة عام بين الحكومة وصندوق النقد، واستلزمتا، إلى جانب بقية المواد، أكثر من 85 ساعة من المناقشات. وقد خلص النقاش إلى أن عدم تضمين المادة 3 عبارة مراعاة قانون النقد والتسليف لا يهدف إلى التقليل من دور حاكم مصرف لبنان أو الحدّ من صلاحياته، إنما إلى ضمان إعطاء الهيئة المصرفية العليا، وخصوصاً الغرفة الثانية منها، أكبر قدر ممكن من الاستقلالية وإبعادها عن التدخلات والتجاذبات السياسية والمنفعية.

استقلالية الهيئة المصرفية العليا

مع البدء بتطبيق القانون، ستقع على عاتق الهيئة المصرفية العليا، المكوّنة من غرفتين: غرفة أولى تحقيقية وثانية تقريرية، مسؤولية إصدار الأحكام بشأن المصارف وتحديد أيٍّ منها قابل للحياة، وأيٍّ منها يجب تصفيته. وأكثر من ذلك، تحدد الغرفة الثانية الملاحقات بحق المصرفيين المخالفين، وتمتلك سلطة استنسابية واسعة في اتخاذ قراراتها.

وعلى الرغم من تمثّل حاكم مصرف لبنان ونوابه في الغرفتين الأولى والثانية، فإن عدم تضمين المادة الثالثة الإشارة إلى مراعاة قانون النقد والتسليف ينتزع من الحاكم إمكانية تعطيل قرارات الغرفة الثانية في حال اتُّخذ قرار مخالف لموقفه بالأكثرية داخل الغرفة الثانية. ومن هنا، فإن الإشارة إلى مراعاة المادة 70 من قانون النقد والتسليف تسمح للحاكم، في حال حاز قرار لا يوافق عليه على الأكثرية في الغرفة الثانية، بتعطيله تحت حجة أن قانون النقد والتسليف يعطي المجلس المركزي لمصرف لبنان صلاحية الحفاظ على الاقتصاد والوضع المالي وضمان استمرارية القطاع المصرفي، وخلافه.

التجارب الدولية

المطالبة باستمرار تحكّم المصرف المركزي بقرارات الهيئة المصرفية العليا ليست ممارسةً معمولاً بها على هذا النحو في التجارب المقارنة. فمثلاً، في فرنسا، تملك “هيئة الرقابة الاحترازية والحلّ”، المعروفة بـ ACPR – Autorité de contrôle prudentiel et de résolution، استقلاليةً في ما يتعلق باتخاذ القرارات الرقابية بشأن المصارف، على الرغم من وجود محافظ البنك المركزي ضمن هيكلها. وكذلك الأمر في سويسرا، والأمثلة على الفصل بين وظيفة البنك المركزي والوظيفة الرقابية المستقلة كثيرة.

من هنا تكمن خطورة الطعن بالمادة الثالثة. فالمسألة لا تتعلق بعبارةٍ قانونية أو تقنيةٍ يمكن اعتبارها تفصيلاً ثانوياً، بل بتحديد الجهة التي تملك القرار النهائي في مستقبل المصارف اللبنانية: هل تكون الهيئة المصرفية العليا قادرةً على اتخاذ قراراتها بصورةٍ مستقلة، وفقاً للمعايير والقواعد التي أُنشئت على أساسها، أم تبقى قراراتها خاضعةً لإمكانية التعطيل من جانب مصرف لبنان عبر التوسّع في تفسير المادة 70 من قانون النقد والتسليف؟

إسقاط المادة الثالثة، أو إعادتها إلى صيغةٍ تسمح بتغليب صلاحيات مصرف لبنان على استقلالية الهيئة المصرفية العليا، لا يعني فقط تعديل مادة من مواد القانون، بل قد يغيّر جوهر الآلية التي بُني عليها قانون إعادة الهيكلة برمّته. والأخطر من ذلك أن مثل هذا التغيير قد يضع لبنان مجدداً أمام خلافٍ مع صندوق النقد الدولي حول المعايير التي تحكم معالجة المصارف المتعثرة، بما قد يعرّض الاتفاق مع الصندوق إلى مزيد من التأخير أو التعقيد، ويعيد قانون إعادة هيكلة المصارف إلى نقطة الصفر.