اليوروبوندز و”رقصة الموت” فوق حقل الألغام

اليوروبوندز

يسير الاقتصاد اللبناني وسط حقلٍ مفخخٍ بمخلفات الانهيار النقدي. سبع سنوات من الحركات والتمايلات تبدو للناظر عن بُعد وكأن البلد يرقص بين الأطلال رقصةً أبدية. إلا أنه، كلما اقتربت الصورة، يتضح أن الاستعراض ما هو إلا خطوات تائهة تبحث عن موطئ قدمٍ يجنّبه الانفجار.

سندات الدين بالعملة الأجنبية – اليوروبوندز، واحدة من أكبر مخلفات الانهيار الاقتصادي التي يُخشى انفجارها، إن لم يكن راهناً، فلاحقاً. وعلى الرغم من أن سندات الدين بالعملة الأجنبية تُعتبر، برأي كثيرين، سبباً للانهيار بعد التخلف عن سدادها وليس نتيجةً له، فإن القفز من فوقها مراراً وتكراراً لن يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيداً.

الحرب وارتفاع الأسعار

حتى نهاية أيلول الماضي، ظلت اليوروبوندز تحوم قرب مستويات 30 سنتًا للدولار، محققةً ارتفاعاً بنسبة 500% عن أدنى مستوى وصلت إليه في نهاية عام 2022، عندما تداولت عند 5 سنتات للدولار.

المفارقة في أسعار هذه السندات لا تكمن فقط في محافظتها على مستوياتها المرتفعة في الوقت الذي يمر فيه البلد بأصعب أيامه على الصعيدين العسكري والاقتصادي، وإنما في كون انتعاشها تزامن مع التصعيد العسكري. فقد بدأت موجة ارتفاع اليوروبوندز في نهاية عام 2023، وزادت وتيرتها في خريف 2024، في عزّ الاغتيالات وتوسيع العمليات العسكرية لتشمل بيروت وبقية المناطق. فارتفعت وقتذاك من حوالي 6 سنتات إلى أكثر من 8 سنتات، ثم واصلت الارتفاع لاحقاً بوتيرة سريعة وكبيرة.

وهو ما حدا بالمحللين إلى ربط هذه الظاهرة بتحسن معنويات المستثمرين، مدفوعاً باحتمالية حدوث اختراقات سياسية، وبالتالي تحقيق الإصلاحات الاقتصادية، وسط رهانات على تعزيز دور الدولة وإمكان التوصل إلى تسوية.

عوامل إضافية

ظل هذا العنصر حاضراً رئيسيًا في كل مرة ارتفعت فيها أسعار اليوروبوندز، متأثرةً بمجموعة من العوامل الإضافية، أبرزها أربعة:

  • اتخاذ مجلس الوزراء، مطلع عام 2025، القرار رقم 30 بتعليق حق الدولة اللبنانية في التمسك بمرور الزمن بالنسبة إلى مطالبات حاملي اليوروبوندز بفوائد الدين، نظراً إلى مرور خمس سنوات على التخلف عن السداد، وذلك حتى 9 آذار 2028.
  • انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة نواف سلام، الأمر الذي أطلق موجة تفاؤل جديدة لدى المستثمرين، وبدأت معه السندات تتجاوز مستوى 10 سنتات للدولار بشكل واضح.
  • رفع دولة الإمارات العربية المتحدة الحظر عن سفر مواطنيها إلى لبنان، فارتفعت أسعار اليوروبوندز في الأسواق الدولية إلى 17.15 سنتاً للدولار، مقارنةً بـ16.5 سنتًا في شهر نيسان.
  • اتخاذ الحكومة، في آب، قراراً بحصر السلاح بيد الدولة، ما أعطى السندات دفعاً إضافياً، فبلغت 19.75 سنتاً للدولار، وهو أعلى مستوى لها في عامين.

الأسعار وعدم اليقين

تحسن الأسعار، بما يحمله من مؤشرات على ارتفاع الثقة بلبنان وإمكان التوصل إلى حل، قد لا يدوم طويلاً. فبحسب آخر تقرير لـ”غولدمان ساكس”، فإن حالة عدم اليقين الناجمة عن العقبات التشريعية والجيوسياسية التي لا تزال تعترض طريق إعادة هيكلة الديون مستقبلاً، تبرر توخي الحذر عند تقييم سندات اليوروبوندز اللبنانية المتعثرة.

وعليه، يواصل “غولدمان ساكس” اعتبار مستويات التسعير الحالية، التي تحوم حول 29 سنتاً للدولار، مفرطة في التفاؤل. فإلى جانب العقبات التشريعية، ترى أن الخلفية الجيوسياسية تفرض تحديات كبيرة أمام أي اتفاق محتمل مع صندوق النقد الدولي أو أي عملية لإعادة هيكلة الديون.

ورغم أن الأمر لا يُعد شرطاً رسمياً، يرى “غولدمان ساكس” أن التوصل إلى حل لمسألة نزع سلاح “حزب الله” يمثل شرطاً مسبقاً لإطلاق برنامج مع صندوق النقد الدولي وللحصول على أي مساعدات مالية مستقبلية، سواء كانت ثنائية أو متعددة الأطراف، تتجاوز نطاق المساعدات المحدودة المخصصة للإغاثة الإنسانية العاجلة.

وتستبعد تحليلات عدة أن تحظى الحكومة اللبنانية بدعم مالي دولي كبير ما لم تستعد “احتكار استخدام القوة”. ورغم إحراز بعض التقدم في المحادثات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك إنشاء مناطق تجريبية منزوعة السلاح في جنوب البلاد تحت سيطرة الجيش اللبناني، يعتبر “غولدمان ساكس” أن هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى ما هو مطلوب لتحقيق نزع كامل لسلاح الجهات غير الحكومية.

ولا يبدي “غولدمان ساكس” تفاؤلاً بإمكان إحراز تقدم ملموس في هذه القضية على المدى القريب، بل تعتبرها عقبة رئيسية أمام أي عملية محتملة لإعادة هيكلة الديون.

اليوروبوندز ملفّ من عشرات الملفات غير المنزوعة صاعق التفجير. والقفز فوقها، ذهاباً وإياباً، قد يحول دون انفجارها آنياً، لكنه لا يلغي خطر انفجارها ذاتياً في المستقبل. وبدلاً من البحث عن ممرّ للخروج من هذا الحقل المليء بالألغام، يواصل لبنان رقصته فوقه، في رقصة موت يبدو أنها لا تنتهي.