فتّشوا عن الفيول في خراب معامل الكهرباء: التحجّج بقطع الغيار “فيول” طائرة!

الكهرباء

نأى مجلس إدارة مؤسسة الكهرباء بنفسه عن النزاع “الكيدي” بين مدير عام المؤسسة والجهة المشغلة لمعملي الزوق والجية الحريريين، ولكنه لم ينأى بنفسه عن هم تأمين الكهرباء. فقرر المضي قدما في أهدافه الإصلاحية، رغم صعوبة المسار.

ملخص الموضوع أن هناك معملين يمكن أو يوفرا إلى حدود 4 ساعات تغذية يومياً، إذا وضعا بكامل طاقتهما التشغيلية، موضوعان في الحفظ بعقد بملايين الدولارات، يمكن تشغيلهما والاستفادة منهما.

مسار إعادة تشغيل المعملين

من هذا الباب دخل مجلس الإدارة في المفاوضات، بحسن نية، برعاية لجنة الأشغال العامة النيابية. لم يكن هدفه الإستعراض بأن مبادراته الإصلاحية للقطاع جدية، من منطلق نظري يقوم على مفهوم “إنما الأعمال بالنيات”، إنما العكس تماماً. فقد قرر المجلس وقف التعامل مع هذا الملف بـ “سوء نية” المستمر منذ سنوات، بهدف وضع حد لهدر الموارد، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

هذا من حيث الشكل، أما في المضمون فإن مبادرة مجلس الإدارة لم تأتِ كردة فعل على تدني ساعات التغذية إلى أقل من 4 ساعات في أكثرية المناطق، إنما كفعل قائم على التحقق والتحقيق. وقد راجع مجلس الإدارة المستندات والمراسلات بين الجهة المشغلة والشركة الموردة لقطع الغيار، وبينها وبين إدارة مؤسسة كهرباء لبنان. كما اطلع على تقارير الاستشاري المتثمل بـ “كهرباء فرنسا”. وخلص إلى ما لا يرق الشك إلى أن سبب الأعطال التي حدثت في معامل الكهرباء سببه الفيول المغشوش وليس قطع الغيار المستبدلة.

الكهرباء
سبب تعط الماكينة هو نوعية الفويل بحسب EDF

الفيول المغشوش

ففي العام 2022، وعلى خلفية تحليل الأضرار التي لحقت بمحرك الديزل في معمل الجية، توصل الإستشاري EDF – كهرباء فرنسا إلى أن الفرضية الأكثر ترجيحاً تتمثل في حدوث عطل ناتج عن مشكلة في جودة الوقود. وعند التعمق أكثر بالتحقيق تبين أن الشركة المشغلة كأنت قد أرسلت 36 مذكرة تنبيه إلى إدارة مؤسسة كهرباء لبنان تعلمها بسوء نوعية الفيول المورد للمعامل، مع إخلاء للمسؤولية بما يترتب عليها من نتائج.

المفارقة، أو وجه التناقض لا يتثمل في عدم اتخاذ إدارة الكهرباء أي فعل تجاه الرسائل التنبيهية من الفيول المغشوش، إنما في استمرار استيراده وتوريده للمعامل، مرة وراء مرة، ما حدا بكهرباء فرنسا إلى التنبيه من أن استخدام نفس الفيول في معمل الزوق الذي استعمل في الجية سيؤدي إلى تخريب المعامل.

أكثر من ذلك فإن السؤال الذي جرى تجاهله تكراراً، هو كيف يمكن لإدارة كهرباء لبنان رفع دعوى أمام القضاء بشبهة عدم استعمال قطع غيار أصلية في المعامل، وتجاهل أعطال فعلية تسبب بها الفويل المغشوش الذي جرى التنبيه منه 36 مرة؟!

التقصير الإدراي

إذا تجاهلنا الإهمال الإداري الأول لمؤسسة الكهرباء في موضوع كلفته عشرات ملايين الدولارات، لا يمكن تجاهل أن المؤسسة نفسها عدلت  نطاق العمل المتفق عليه في العقد الأصلي، وأعطت أمر تغييري Variation Order بقيمة مليون دولار لإصلاح العطل في المعمل للمشغل نفسه. وجرى تخفيض عدد الساعات المحددة للصيانة من ما بين 36 و40 ألف ساعة إلى 30 ألفاً.

لم يقتصر الإهمال الإداري على تجاهل التنبيهات المتعلقة بالفيول المغشوش، بل امتدّ ليشمل تمديد العقد في عام 2025، رغم أن الجردة المنجزة في عام 2024 كانت قد أظهرت وجود مجموعة من قطع الغيار التي لا تعود إلى المصنع الأصلي.

واللافت أن الأعطال لم تكن تُعزى، حتى عام 2025، إلى هذه القطع، رغم أن تقرير الاستشاري كشف أن بعضاً منها ليس من إنتاج الشركة المورّدة، وأن قيمته أقل من قيمة القطع الأصلية. وهذا يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية اتخاذ قرار تمديد العقد في عام 2025، في ظل وجود شكوك جدية بشأن مصدر قطع الغيار ومواصفاتها ومدى مطابقتها للمعايير المطلوبة وصلاحيتها للاستخدام، من دون التحقق من مصدرها أو إخضاعها للتدقيق الفني اللازم.

إن الإقدام على تمديد العقد، رغم هذه المؤشرات، من دون معالجة الشكوك القائمة أو التحقق من سلامة قطع الغيار ومطابقتها للمواصفات، يشكّل وجهاً ثانياً من أوجه الإهمال الإداري، ويستدعي المساءلة عن أسباب التغاضي عن هذه المعطيات وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.

ذلك مع العلم أنه في حال لم تكن قطع الغيار المورّدة أصلية أو مطابقة لشروط المصنع، فهذا يُعدّ مخالفة تعاقدية يحق للطرف المتضرر بموجبها فسخ العقد والمطالبة بالتعويض.

أما إذا ثبتت رابطة السببية بأن هذه القطعة بالذات هي التي أدت إلى عطل في المحرك، فحينئذٍ يتحقق العطل والضرر. ولكن، طوال مدة عشر سنوات، لم تواجه المعامل سوى تعطل ماكينتين من أصل أربع عشرة ماكينة، ولا يوجد أي تقرير فني يربط بين هاتين الماكينتين وبين قطع الغيار المستخدمة، بل بنوعية الفويل المستخدم.

عدم تشغيل المعامل هدراً للموادر

ومن جهة أخرى، فإن معملي الذوق والجية الجديدين، اللذين وُضعا قيد التشغيل عام 2017، لم يتجاوز إنتاجهما الكهربائي، وفق المعطيات المتوافرة، نسبة 36% من قدرتهما الإنتاجية خلال السنوات العشر. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة عند الأخذ في الاعتبار أن سعر الفيول المستخدم في هذين المعملين يقل بنحو 30% عن سعر الفيول المستخدم في المعامل الأخرى. وباحتساب الكلفة على هذا الأساس، فإن عدم إنتاج الساعتين والنصف من الكهرباء يومياً، اللتين كان يُفترض أن يؤمّنهما كلّ من المعملين، أدّى إلى الاضطرار لتغطية هذا النقص من خلال معامل أخرى ذات كلفة وقود أعلى. وقد ترتّب على ذلك، وفق التقديرات وبالاستناد إلى الأسعار السابقة، كلفة إضافية تُقدَّر بنحو 6 ملايين دولار شهرياً.

وعليه، فإن استمرار تعطيل هذين المعملين، أو عدم الاستفادة من قدرتهما الإنتاجية المتاحة، لا يقتصر أثره على حرمان الشبكة من كميات إضافية من الكهرباء، بل يمتد إلى تحميل مؤسسة كهرباء لبنان أعباء مالية إضافية كان من الممكن تجنّبها، أو الحدّ منها، من خلال تشغيل المعامل والاستفادة من انخفاض كلفة الفيول فيها. وهذا ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى القرارات المتخذة، ومدى مراعاتها لمعايير الكفاءة التشغيلية والاقتصادية في إدارة قطاع الكهرباء

مساران للحل

وفي هذا السياق، اعتمد مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان مسارين لمعالجة الملف، وأعاد التأكيد عليهما في بيان صحافي صدر عقب اجتماعه.

  • المسار الأول: معالجة الملف مع مراعاة النزاعات القضائية القائمة. يقوم هذا المسار على تنفيذ الإجراءات بالتنسيق مع الجهات المعنية، مع مراعاة النزاعات القضائية القائمة، ولا سيما أمام مجلس شورى الدولة، والتقيّد بالقرارات القضائية ذات الصلة، من دون المساس بهذه النزاعات أو استباق نتائجها، مع حفظ حقوق جميع الفرقاء.ولهذه الغاية، كلّف المجلس الدائرة القانونية، بالتنسيق مع وكيل المؤسسة، بالتحقق من مقتضيات القرارات والتدابير النافذة، ومتابعة الخبرة القضائية والتنسيق مع الخبير ضمن حدود مهمته. كما شدّد على ضرورة توثيق الحالة الفنية وحفظ الأدلة والقطع قبل القيام بأي تشغيل أو تفكيك أو صيانة أو استبدال لقطع من شأنه التأثير في موضوع الخبرة القضائية.
  • المسار الثاني: إعادة تشغيل المعامل تدريجياً وفق خطة فنية واضحة. يقضي هذا المسار بتشغيل مجموعات التوليد التي لم تبلغ ساعات تشغيلها 30 ألف ساعة، إلى جانب معالجة وضع المولدات التي خضعت للصيانة ولا تزال موضع نقاش، وذلك بالاستعانة بالجهة الصانعة، وفق ما تسمح به نتائج الفحوص والمتطلبات الفنية. وفي هذا الإطار، أعاد مجلس الإدارة التأكيد على تكليف اللجنة المعنية بالاستعانة بالخبرات الفنية اللازمة، ولا سيما خبرة الجهة الصانعة MAN – Everllence، للكشف على مجموعات التوليد وتجهيزات المعملين، وتحديد حالتها الفنية ومدى جاهزيتها، ووضع خطة واضحة للأعمال والفحوص المطلوبة قبل التشغيل، على أن تُرفع الخطة إلى مجلس الإدارة لاتخاذ القرارات اللازمة تباعاً.

انتاج الكهرباء

وبحسب المعطيات المتداولة، يمكن أن تبدأ إعادة التشغيل بأربعة مولدات من أصل 14 خلال الأسبوع الأول، على أن يتوسع التشغيل تدريجيًا بعد استكمال أعمال الصيانة والحصول على موافقة الجهة الصانعة، وفقًا للنتائج الفنية ومتطلبات السلامة.

غير أن إعادة تشغيل المعملين ترتبط أيضاً باستيفاء شرطين أساسيين: تسديد دفعة مالية أولى للشركة المشغّلة، والاستعانة باستشاري لمواكبة الأعمال الفنية ومراحل إعادة التشغيل.

وفي هذا السياق، يُطرح مجددًا تكليف شركة كهرباء فرنسا (EDF) بدور استشاري، استناداً إلى خبرتها السابقة في الملف. كما تبرز توصية سابقة للشركة، أُشير إلى أنها أُقرّت بقرار من مجلس الإدارة في عام 2025، وتتعلق بتسوية مالية تتراوح قيمتها بين 11 و15 مليون دولار. وقد تشكّل هذه التسوية، إذا استُكملت الموافقات والإجراءات اللازمة، مدخلاً لمعالجة المستحقات المالية للشركة المشغّلة وتأمين الشروط المطلوبة لاستئناف التشغيل.

وبذلك، ينتقل الملف من مرحلة تبادل المسؤوليات بشأن أسباب التعطيل إلى اختبار مدى القدرة على تنفيذ مسار عملي يعيد المعملين إلى الخدمة تدريجياً، مع احترام المسار القضائي، والتحقق من السلامة الفنية، وضبط الكلفة المالية. ويبقى التحدي الأساسي في ترجمة القرارات والتوصيات إلى خطوات تنفيذية واضحة، تتيح الاستفادة من القدرة الإنتاجية للمعملين وتحدّ من الكلفة الإضافية الناتجة عن الاعتماد على معامل أخرى أعلى كلفة.

تشغيل المعملين يؤكد أن الفيول المغشوش هو السبب في الأعطال التي أصابتهما، فيما لا يعدو التذرّع بقطع الغيار كونه تطيير “فيول” ومحاولة لتمييع قضية الفيول غير الصالح، التي لم يُحاسَب أحد على مسؤوليتها حتى اليوم.