كيلا يصيب قطاع الكهرباء ما أصاب “المضيئة”.. زيادة الإنتاج ليست وحدها الحل!

الكهرباء

تركّز كل معالجات أزمة الكهرباء في لبنان على زيادة الطاقة الإنتاجية من المعامل الحرارية، فيما أصبحت المشكلة في مكان آخر.

حتى نهاية العام 2025، أنتج لبنان نحو 1,500 ميغاواط من وحدات الطاقة الشمسية الفردية، تمثّل نحو 40% من الحاجة الفعلية المقدّرة بين 3,500 و4,000 ميغاواط. يُضاف إليها نحو 600 ميغاواط تنتج حالياً من معملي دير عمار والزهراني، و200 ميغاواط من المعامل المائية. وعليه، ينخفض ما يحتاج إليه لبنان، من الناحية النظرية، إلى نحو 1,200 ميغاواط لتأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة يومياً.

الخطة القطرية

ما يجري بحثه اليوم من خلال “البرنامج الوطني المتكامل للاستثمار في الطاقة”، المدعوم من قطر، هو إنتاج كمية كبيرة من الطاقة الحرارية، إلى جانب مشروعات للطاقة المتجددة وتخزينها واستجرار الكهرباء. ويقوم المقترح القطري على خمس ركائز أساسية، وهي:

  • إنشاء محطتين تعملان بالغاز بنظام الدورة المركّبة في دير عمار شمال لبنان والزهراني جنوبه، بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما، وبمجموع يصل إلى 1,650 ميغاواط.
  • إبرام اتفاق لـ توريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 20 عاماً، ضمن ترتيبات تشمل وحدة عائمة لتخزين الغاز وإعادة تحويله إلى حالته الغازية، بطاقة 3.5 ملايين متر مكعب يومياً، إلى جانب استخدام خط الغاز العربي عبر سوريا، بطاقة 4.5 ملايين متر مكعب يومياً.
  • تطوير قدرات للطاقة الشمسية بواقع 800 ميغاواط، وطاقة الرياح بقدرة 440 ميغاواط، إضافة إلى تخزين الكهرباء.
  • استيراد الكهرباء من سوريا، بدءاً من 300 ميغاواط عبر مسارين منفصلين.

6000 ميغاواط

وبناءً عليه، سيصل لبنان، بعد ثلاث سنوات، إذا تم الاتفاق بين الحكومتين اللبنانية والقطرية والشروع في تنفيذ الخطة، إلى نحو 3,200 ميغاواط من الكهرباء. وإذا أضفنا هذه الكمية المنتجة إلى ما ينتجه لبنان فعلياً، وما يمكن إنتاجه في حال تأمين الفيول والصيانة للمعامل القائمة، ولا سيما دير عمار والزهراني والجية والزوق الجديدين، بقدرة إجمالية تبلغ 1,200 ميغاواط، لارتفع إنتاج لبنان من الكهرباء إلى حدود 6,000 ميغاواط.

ماذا حصل مع “المضيئة”؟

فلننسَ “عجقة” الأرقام، ولنقل فقط إن لبنان سيتمتع، بناءً على هذه الخطط، بفائض من الكهرباء يفوق حاجته بمقدار الضعف. لكن في الكهرباء، زيادة الخير ليست خيراً بالضرورة؛ فهي قد تشكّل عبئاً على المستهلك والاقتصاد. والمثال ما حدث في قرية “المضيئة” (اسم افتراضي) في إحدى الجبال اللبنانية.

في “المضيئة”، استحدث أحد المستثمرين مولّدين، قدرة كل منهما 500 KVA، لتأمين الكهرباء لنحو 500 وحدة سكنية وتجارية، نظراً إلى انعدام توافر الكهرباء العامة. ومع ارتفاع أسعار المحروقات وانهيار القدرة الشرائية، بدأ المواطنون يقلّلون استهلاكهم، واستبدل قسم كبير منهم عدّاد الـ10 أمبير بعدّاد 2 أمبير. مما اضطر المستثمر إلى الاستغناء عن المولّد الأول.

ومع فورة الطاقة الشمسية منذ العام 2021، وتلقّي الأهالي تمويلاً من أبنائهم المغتربين، ركّب 350 منزلاً ومؤسسة وحدات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، واستغنوا عن المولّد من دون قطع الاشتراك. فأصبح ثمن بيع الكهرباء من المولّد الكبير لا يكفي لشراء الفيول وإجراء الصيانة ودفع أجور العمال.

مما اضطر المستثمر إلى رفع سعر مبيع الكيلوواط ساعة إلى قرابة 1.1 دولار، فتراجع الاستهلاك أكثر لدى ما تبقّى من المشتركين، وزادت التعديات على الشبكة. كما تلقّى ضبطاً من مفتشي وزارة الاقتصاد، وكادوا يحجزون مولّده. فباعه أخيراً، واشترى آخر بقدرة 150 KVA. وبذلك، فقد 70% من استثماره في غضون أعوام قليلة.

مشكلة عقود الشراء الطويلة

إذا وسّعنا البيكار، فإن هذا ما يحصل على صعيد لبنان. فإضافة إلى ارتفاع نسبة الهدرين الفني وغير الفني وتجاوزهما 50%، فإن ما تبيعه مؤسسة كهرباء لبنان لا يؤمّن ثمن المحروقات، رغم رفع التعرفة إلى 27 سنتاً. فنحو 40% من المواطنين يعتمدون على إنتاج كهربائهم الخاصة في أكثرية أيام العام. وهو ما يطرح السؤال عن جدوى الاستثمار في المشاريع الكبيرة والمركزية مستقبلاً، حتى لو كانت تغطّي تكاليفها.

هذا من ناحية. أما من الناحية الثانية، فإن التسليم جدلاً بإصلاح قطاع الكهرباء إدارياً، كما تعمل عليه الهيئة الناظمة للقطاع وفقاً للقانون 462، لجهة تفكيك مؤسسة كهرباء لبنان وفصل أنشطة الإنتاج عن النقل والتوزيع، وإنشاء شركة SB التي ستكون بمثابة الشاري الوحيد للطاقة بالجملة من المنتجين، يطرح مشكلة لا تقل خطورة.

فعادةً ما تتم عقود شراء الكهرباء عبر ما يُعرف بـ”اتفاقيات شراء الطاقة” (PPA – Power Purchase Agreement). وهي عقود طويلة الأجل بين منتِج الكهرباء ومشتريها، تحدّد كمية الكهرباء التي سيتم شراؤها، وسعرها، ومدة العقد، وشروط التسليم والدفع.

وعليه، ستلتزم شركة SB شراء الكهرباء من المعامل الحرارية والشمسية والهوائية بسعر محدّد لفترة طويلة. ومع التوقّع بتراجع أسعار المحروقات من جهة، وتراجع أكلاف الطاقة المنتجة من مصادر متجددة من جهة أخرى، نتيجة تطوّر التكنولوجيا، ستُضطر هذه الشركة إلى دفع مبالغ مالية أكبر بكثير مما قد تقتضيه أسعار السوق مستقبلاً، وقد لا تتمكّن من خفض أسعارها، ما قد يحتم إعادة التفاوض على العقود أو تحمّل خسائر مالية. وهذا، إلى حدّ بعيد، ما شهدته الأردن.

تجربة الأردن

فشركة الكهرباء الوطنية الأردنية (NEPCO) كانت تبرم عقود شراء طاقة طويلة الأجل مع منتجي الكهرباء. وقد أعطت هذه العقود المستثمرين ضماناً طويل الأجل للإيرادات، وفي المقابل، التزمت NEPCO شراء الكهرباء وفق شروط وأسعار محدّدة.

المشكلة أن افتراضات السوق عند توقيع بعض العقود تغيّرت لاحقاً. فانخفضت تكلفة الطاقة الشمسية بشكل كبير مع تطوّر التكنولوجيا والمنافسة في المناقصات. وتوسّعت مشاريع الطاقة المتجددة في الأردن، فأصبحت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تمثّلان جزءاً كبيراً من مزيج التوليد. وفي الوقت نفسه، بدأ بعض المستهلكين، خصوصاً الشركات، بالانتقال إلى التوليد الذاتي بالطاقة الشمسية، ما أدى إلى تباطؤ نمو الطلب على كهرباء الشبكة. لكن NEPCO بقيت مرتبطة بعقود طويلة الأجل، وبعضها يتضمّن مدفوعات للقدرة والتزامات شراء، حتى عندما لا تكون هناك حاجة اقتصادية كاملة إلى هذه الطاقة.

وقد وصف صندوق النقد الدولي المشكلة في تقاريره بأنها مزيج من “costly long-term PPAs”، أي اتفاقيات شراء طاقة طويلة الأجل ومكلفة، وانخفاض الطلب نتيجة انتشار الطاقة المتجددة. وأشار إلى أن هذه الالتزامات التعاقدية تقيّد قدرة NEPCO على تحسين وضعها المالي.

بالعودة إلى لبنان، فإن الخطة المستقبلية للطاقة تطرح استقطاب التمويل من القطاع الخاص لتنفيذ مشروعات الطاقة، من دون تحميل الموازنة اللبنانية نفقات رأسمالية مقدّمة، وهذا أمر جيد. إلا أن الالتزامات المتعلقة بالمدفوعات والضمانات ستبقى قيد التفاوض. ولهذا، فإن التجربة الأردنية تُعدّ مثالاً مهماً في اقتصاديات الطاقة على مخاطر العقود طويلة الأجل ذات الالتزامات الصارمة في سوق تتغيّر فيها التكنولوجيا والتكاليف بسرعة.

زيادة الإنتاج مهمة، لكن الأهم يبقى تطبيق القانون 462، وفتح السوق أمام المنافسة، وتعميم تجارب إنتاج الكهرباء اللامركزية على غرار زحلة، وتوسيع التعاون بين البلديات والقطاع الخاص، على غرار تجربة تولا.. وغيرها الكثير من الأمثلة. فهذه التجارب لا تؤمّن الكهرباء فحسب، بل الأهم أنها تعزّز الأمن الطاقوي، وتخفض التكاليف، وتجعل إنتاج الكهرباء في لبنان محلياً، بدلاً من الاعتماد على أي جهة خارجية.