انتشرت على طول الخريطة اللبنانية وعرضها نحو 1261 مدرسة رسمية. لم تخلُ قرية من وجود صروح تعليمية عامة، بعضها متداعٍ وبعضها الآخر مؤهّل، إلا أن جميعها تتشارك تراجعاً دراماتيكياً في أعداد التلامذة، وارتفاعاً هائلاً في الأكلاف التشغيلية. وبدلاً من أن تكون غاية وجود المدرسة الرسمية خدمة المتعلمين، بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي، وليس الفقراء كما درج التسويق، تحولت إلى منفعة للمعلمات والمعلمين.
منذ السابعة صباحاً، بدأت السيارات الجديدة، التي تم شراء معظمها بالتقسيط “أيام الـ 1500″، تصطف على جوانب الطريق العام المحاذي لإحدى المدارس الرسمية. معلمات بمعظمهن، وبعض المعلمين، اتجهوا إلى مدخل المدرسة من دون أن يدخلوها. دقائق قليلة، ويظهر عدد قليل من التلامذة المحمّلين بحقائب أكبر منهم، بعضهم ممسك بأيدي أهله، فيوجّههم الناظر العام إلى الملعب، ويأخذ الأهل بالأحضان، داعياً إياهم إلى الانضمام إليهم. لا يكسر صمت هذا المشهد الغريب عن يوميات القرية إلا وصول موكب نائب المنطقة للانضمام إلى المتجمهرين، لتبدأ حفلة خطابية تندد بإقفال المدرسة ودمجها بمدرسة قريبة.
اعتراضات على تسكير مدارس
هذه المشهدية تكررت أكثر من مرة، وفي أكثر من منطقة، مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027، رفضاً لقرارات وزارة التربية والتعليم العالي إقفال المدارس الرسمية التي تفتقد إلى الجدوى التشغيلية. فشهدت كل من جبيل وعاليه والحدث وحاصبيا وغيرها من المناطق موجة من الاعتصامات والرفض الواسع للقرارات المتعلقة بإقفال ودمج عدد من المدارس والثانويات الرسمية.
الحجة التي يسوقها المدافعون من أصحاب المصلحة، ومن بينهم نواب ومشرّعون يعلمون “بير” الواقع التربوي و”غطاه”، هي أن إقفال المدارس الرسمية يؤدي إلى “ضرب” التعليم الرسمي، وإحباط الكادر التعليمي، وتدمير البيئة التربوية.. وغيرها من المبررات تنقضها الوقائع والأرقام. فمن أصل نحو مليون تلميذ في المرحلة التعليمية ما قبل الجامعية، لم تستقطب المدارس الرسمية أكثر من 250 ألف تلميذ هذا العام، وبنسبة لا تتجاوز 25%. هذا التراجع في الانتساب إلى المدرسة الرسمية ليس استثناءً، إنما هو القاعدة التي درجت عليها العادة منذ سنوات طويلة، حيث لم تتجاوز حصة المدرسة الرسمية 32% من مجمل أعداد التلامذة منذ العام 2010، بحسب ما تظهر أرقام الدولية للمعلومات (الجدول رقم 1). واللافت أن تراجع الأعداد يسبق مرحلة الإضرابات والاعتصامات والأحداث الكثيرة التي شهدها القطاع التربوي للمطالبة بزيادة الرواتب وتثبيت المتعاقدين، ولا سيما قبل زيادة سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017.

بدلاً من خفض أعداد المدارس الرسمية والمدرسين، بالتوازي مع تراجع أعداد التلامذة، كما تقضي أبسط قواعد الإدارة الرشيدة، كانت أعداد المعلمات والمعلمين تزداد باطراد، ولا سيما من خلال التعاقد. كما جرى خلال هذه الفترة استقطاب المزيد من التمويلات للتوسع في إنشاء المدارس، وخصوصاً في الجنوب.
وبالأرقام، بلغ عدد الأساتذة في التعليم الرسمي في العام 2023 نحو 35528 معلماً ومعلمة، بحسب النشرة الإحصائية التي يعدّها المركز التربوي للبحوث والإنماء. 55 في المئة منهم متعاقدون، يتوزعون على ستة أوضاع وظيفية مختلفة، بين من هم في الملاك، والمتعاقدين، والمتمرنين، والمستعان بهم، وأساتذة التقدمة، إضافة إلى عدد غير محدد الوضع الوظيفي.

أما على صعيد المدارس، فعلى الرغم من انخفاض نسبة الإشغال فيها إلى أٌقل من 200 تلاميذ لكل مدرسة، فإن خطة التربية الخمسية التي أُطلقت في العام 2016 نصت على إعمار المزيد من المدارس الرسمية، حيث تقرر منح 270 مليون دولار لوزارة التربية بين عامي 2016 و2021، من أجل الترميم والإنشاءات والتوسعة، ضمن مشروع RACE 2. وقد ترافق هذا المشروع مع مشروع آخر لتطوير المدارس الرسمية وزيادة تجهيزاتها، هو Reaching All Children with Education 2، المقدّرة قيمته بـ2.1 مليار دولار. وكان قد سبقهما مشروع D-RASATI، لغاية العام 2010، المموّل من USAID.
كلفة التلميذ
هذا الواقع نتج عنه اختلالات كبيرة. فأصبح هناك أستاذ لكل 12 تلميذاً، ومدرسة لكل 198 تلميذاً، مما رفع كلفة التلميذ الواحد إلى 2058 دولاراً سنوياً للمرحلة الابتدائية، بحسب تقديرات البنك الدولي، وإلى 2367 دولاراً في قطاع التعليم الثانوي.
في المقابل، بلغ الإنفاق الحكومي على رواتب المعلمين 1586 دولاراً لكل طالب في نظام التعليم الابتدائي، وهو أعلى من الإنفاق في تركيا (1368 دولاراً أمريكياً) والمجر (1229 دولاراً أمريكياً)، ولكنه أقل من الإنفاق في بولندا (2247 دولاراً أمريكياً) وفرنسا (1735 دولاراً أمريكياً).
هذه الأرقام لم تكن جديدة، فدراسة المركز التربوي للبحوث والإنماء للعام الدراسي 2010-2011، بعنوان “الاستخدام الفعّال للموارد البشرية في القطاع التربوي الرسمي”، أشارت إلى أن حجم الجسم التعليمي في القطاع الرسمي أكبر من الحاجة المطلوبة. ومع ذلك، يستمر التعاقد مع معلمين جدد من دون وظائف فعلية. وبحسب المركز التربوي للبحوث والإنماء، كان هناك أستاذ لكل 8 تلامذة، وهذا رقم مرتفع جداً ويشكّل هدراً.
لا بديل عن الإصلاح
يُقال في الأمثال الشعبية “إذا وجدت نفسك في حفرة، فتوقف عن الحفر”. ومع ذلك، يبدو أن بعض المعنيين بالتشريع والإدارة مصممون على فعل العكس. وإن كان مفهوماً أن يتصدى أصحاب المصلحة المباشرون، من أساتذة ومعلمين، لقرارات إقفال المدارس والصرف، مع العلم أن الموضوع لم يصل إلى هذا الحد، بعد، فإن تصدي النواب، الذين هم بصدد مناقشة موازنة 2027، غير مبرر. فوزارة التربية استحوذت على 721 مليون دولار من النفقات، وحلت في المرتبة الثالثة بعد الدفاع والداخلية لجهة حجم المخصصات. وللافت أن نحو 85% من الزيادة التي حصلت عليها مقارنة بموازنة 2026 ذهبت زيادات للأساتذة، وليس إلى تطوير التعليم وزيادة كفاءته.
إن الموازنة الهائلة لوزارة التربية، مقارنة بمن تخدم من تلامذة وطلاب في لبنان، على مستوى المدارس والجامعات على السواء، لا تُعتبر مبالغاً فيها فحسب، بل تشكّل مصدراً لضعف الاقتصاد. فهذه الأموال وإن كانت أصبحت أقل بنحو الضعف عما كانت عليه قبل الانهيار إلا أنها ما زالت كبيرة جدا بالمقارنة مع حجم الاقتصاد. وهي تُؤمَّن من الضرائب والرسوم التي تُفرض على اللبنانيين عموماً، ومنهم أهالي التلامذة، لتُعطى لموظفين عموميين يسجّلون أولادهم في المدارس الخاصة. وعليه فإن المؤامرة الحقيقية على المدرسة الرسمية هي بمقاومة الإصلاحات والضغط لبقاء الوضع كما درج أن يكون عليه، وليس التصدي الاجراءات الخجولة التي تتخذ والتي لم ترق بعد إلى مستوى الإصلاح الحقيقي.
