الدولة أغنى من أي وقت مضى.. فلماذا لا تظهر النتائج على أرض الواقع؟

الدولة

من يقرأ الميزانية نصف الشهرية لمصرف لبنان، سيتوقف مليّاً عند بند ودائع القطاع العام في جهة المطلوبات، ويعود إليه مراراً وتكراراً. فالخانة التي تُسجَّل فيها القيود بالليرة اللبنانية لم تعد تتسع لمزيد من الأصفار. للوهلة الأولى، سيظن القارئ أن “يد المدوّن سبقته”. فالخطأ وارد في بلد تُعتبر فيه الأرقام وجهة نظر. لكن عند مراجعة ما سبقها من ميزانيات، بمعدل ميزانيتين كل شهر، لن يتأكد من أن الرقم صحيح فحسب، بل سيكتشف أنه يرتفع باطّراد. وهكذا، سينتقل قارؤنا العزيز من مرحلة الإنكار إلى الغضب بلمح البصر. إذ كيف يمكن أن تعاني الدولة شتى أنواع الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وارتفاع معدلات الفقر، وتدهور البنى التحتية.. وتستمر في تكديس الأموال في خزائها؟

وصلت ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان، مع حلول تشرين الثاني الحالي، إلى 954.473.812.553.000 ليرة لبنانية. من دون أن نتعب أنفسنا بمحاولة قراءة رقم تعجز الآلة الحاسبة عن احتواء أصفاره؛ ولتسهيل الحسابات، سنعتمد الدولار. فالمبلغ “الجرّار” يعادل نحو 10 مليارات و664 مليون دولار. وقد ارتفعت هذه الودائع بنسبة 17.7% منذ بداية العام، أي بزيادة قاربت 1.6 مليار دولار.

الدولة
ودائع القطاع العام تسجل زيادات متتالية

أسباب زيادة الودائع

لا يمكن فهم هذا الرقم بمعزل عن ثلاثة عوامل رئيسية مترابطة بعضها ببعض: نقدية ومالية واقتصادية.

مالياً، قد تبدو الصورة واضحة: الدولة تجبي من الضرائب والرسوم أكثر مما تنفق. وقد سجلت الأعوام الماضية، وتحديداً منذ عام 2024، زيادة واضحة في الإيرادات الفعلية مقارنة بما كانت ترصده الموازنات العامة. وقد أُطلق على هذه السياسة وصف السياسة التقشفية.

أما من الناحية النقدية، فقد يكون الأمر أكثر تعقيداً. فالنسبة الأكبر من ودائع القطاع العام تتكوّن أساساً بالليرة اللبنانية، وأي توسع غير محسوب في الإنفاق من هذه الأموال سيؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، سواء بشكل مباشر من خلال تبديل الليرات بالدولار وادخارها، أو بشكل غير مباشر عبر زيادة الاستهلاك.

ونظراً إلى تراجع التدفقات الدولارية الوافدة، وخصوصاً خلال العام الحالي بسبب الظروف المحلية والإقليمية، فإن التداعيات قد لا تكون إيجابية. وقد عكس ميزان المدفوعات هذا الواقع بوضوح، من خلال تراجع الفائض إلى أقل من مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، مقارنة بنحو 3.3 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وعليه، قررت وزارة المالية ومصرف لبنان الاستمرار بالنهج نفسه الذي اعتُمد منذ منتصف عام 2023، حيث يضخ مصرف لبنان الليرات بما يتناسب مع حاجة المؤسسات والأفراد إلى تسديد الضرائب، والمقدّرة بنحو 6 مليارات دولار. وفي المقابل، تُجمع فوائض الدولارات من السوق عبر جهة متخصصة، بعيداً عن المضاربة، وبالالتزام بأعلى معايير مكافحة تبييض الأموال، ومن دون تحميل الخزينة أي كلفة.

وبالفعل، أدت هذه الآلية إلى تثبيت سعر الصرف، وجنّبت البلد مشكلة قد تكون أخطر بكثير من الامتناع عن الإنفاق، وتتمثل في زيادة التضخم. فالإنفاق الذي كان سيدفع باليد اليمنى كان يمكن أن يولّد تضخماً يأخذ باليد اليسرى كل الزيادات، بل أكثر منها، فلا يستفيد منه أحد.

وإلى جانب زيادة ودائع القطاع العام، التي ستُستخدم آجلاً، إن لم يكن عاجلاً، في تلبية العديد من المتطلبات، ساعدت الآلية المنسقة بين وزارة المالية ومصرف لبنان على عدم استنزاف احتياطيات العملة الأجنبية لدى مصرف لبنان، والتي بقيت في نهاية تشرين الأول تدور حول مستوى 11 ملياراً و465 مليون دولار. كما تراجعت الكتلة النقدية بالليرة إلى 54 ألفاً و812 مليار ليرة، أي ما يعادل 612 مليون دولار فقط. وتعكس هذه الأرقام، وفق هذه المقاربة، نجاح سياسة ضخ الليرات بكميات محدودة في السوق وجمع الدولارات، بما يضمن الاستقرار النقدي في ظل التقلبات التي يمر بها لبنان.

اقتصادياً، وهنا بيت القصيد، لم يعد السؤال المحوري هو لماذا لا تنفق الدولة، بل هل ما زال الإنفاق العام مجدياً للخروج من الركود أو الجمود الاقتصادي؟

الإجابة عن هذا السؤال أتت على لسان آندي هالدين، كبير الاقتصاديين السابق في بنك إنكلترا، الذي اعتبر أن الوصفة الكينزية القائمة على زيادة الإنفاق العام للخروج من الركود أو الجمود الاقتصادي لم تعد مجدية. فالإنفاق العام، الذي يُفترض أن ينعش الاقتصاد، قد يأتي بنتائج عكسية.

طبعاً، يتحدث هالدين عن الاقتصاد العالمي، وخصوصاً الدول المتطورة، حيث باتت زيادة الإنفاق العام تؤدي إلى رفع عوائد السندات، وبالتالي زيادة كلفة الاقتراض على القطاع الخاص. أما محلياً، وفي الدول التي تشبه لبنان في ظروفها، فقد يؤدي التوسع في الإنفاق العام إلى التضخم والتسبب باختلالات قد تكون أكبر من الفوائد المرجوة منه. ويدعو هالدين الحكومات إلى الادخار بدلاً من الإنفاق، وخفض النفقات وزيادة الضرائب، ليصبح التقشف، وفق مقاربته، وصفة للنمو. وليس مستغرباً، في هذا السياق، أن تلقى السياسة التي تتبعها الحكومة ترحيباً من صندوق النقد الدولي والجهات الدولية.

آثر رفع سقف السحوبات

ومن الخطوات التي اتخذها مصرف لبنان مؤخراً، تبرز زيادة سقوف السحوبات النقدية للمستفيدين من التعميمين 158 و166. فقد أضاف 100 دولار إلى السقف المحدد للمستفيدين من التعميم 166، ليرتفع إلى 600 دولار، منها 200 دولار مخصصة للشراء بواسطة البطاقة. كما رفع السقف في التعميم 158 بمقدار 200 دولار، ليبلغ 1200 دولار، منها 400 دولار مخصصة للشراء بالبطاقة.

وهذه الخطوة، وإن كانت قد تعكس إمكانية تأخير الاتفاق على خطة التعافي واستعادة الودائع، وسط ترجيحات بحسم مبلغ من أول 100 ألف دولار، فإن زيادة المبالغ المخصصة للشراء بالبطاقات تتيح لمصرف لبنان إعادة جمع هذه الدولارات ضمن الآلية التي يعتمدها بالتنسيق مع وزارة المالية، بما يحد من استنزاف الاحتياطيات. وهذا على عكس المبالغ المدفوعة نقداً، التي ترجّح التقديرات أن قسماً منها يُدّخر أو يُحوّل إلى الخارج، ولا يدخل إلا جزء صغير منها في الدورة الاقتصادية.

يرى المواطنون أن الدولة تمتلك الأموال، لكنها لا تنفق. أما ما لا يرونه، فهو أن الامتناع عن الإنفاق قد يكون في الواقع يجنب الاقتصاد مشكلات أعمق بكثير. وبالتالي، فإن الإنفاق والاستفادة من هذه الأموال لن يصبحا متاحين إلا بعد إنجاز الإصلاحات الأساسية، ولا سيما تلك المتعلقة بالنظام المصرفي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح القطاع العام. وإلا، فسنظل ندور في الدائرة المغلقة نفسها.