كهرباء لبنان “ميتة سريرياً”، فهل من أمل باستعادة مبرر وجودها ؟!

كهرباء

المملكة العربية السعودية تعتزم استضافة مجموعة من الفعاليات والبطولات على الجليد في «نيوم» على ساحل البحر الأحمر، ولو جمعنا نفط العالم كله وغازه، لما أصبح لدينا كهرباء في لبنان. إنها معادلات التناقضات، بين ما تصنعه الإرادة الصلبة، وما تُفشله سوء الإدارة.

من دون الحاجة إلى التذكير بكل إنجازات القرن الحادي والعشرين على الأرض، وفي «سابع سماء»، ومقارنتها مع لبنان الذي يعجز عن حل أبسط المشكلات، فإن الأكيد أن أزمة الكهرباء في لبنان لم يعد بالإمكان معالجتها بالطرق التقليدية. وطالما أن التفكير مُنصبّ على بناء المزيد من المعامل، وعقد اتفاقات استجلاب النفط والغاز، فإن الفشل سيكون ثالثهما.

حل أزمة الكهرباء أقرب من أي وقت مضى

والسبب بسيط: مؤسسة كهرباء لبنان «ماتت سريريًا»، ولن تنفع معها كل محاولات الإنعاش. ومطالبتها بالإصلاح الداخلي ليست مبالغة فحسب في ظل التركيبة السياسية والطائفية التي تحكم البلد، إنما عملٌ مُشين، جريًا على المثل القائل: «الضرب بالميت حرام».

نزع «أنابيب التنفس الاصطناعي» عن مؤسسة كهرباء لبنان، تارةً بالنفط العراقي، وطورًا بمشاريع استجلاب الغاز والربط الكهربائي، يجب أن يبدأ بالتوازي مع الإقرار بلامركزية إنتاج الكهرباء وتوزيعها. وهذه العملية لم تعد أسهل بالنصوص فقط، عبر تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وإقرار قانون إنتاج الطاقة المتجددة والموزعة، إنما أيضًا بالتنفيذ على أرض الواقع، وخصوصًا في ظل توافر معطيين لم يكونا موجودين بهذا الحجم حتى الأمس القريب:

– الأول: انتشار وحدات الطاقة الشمسية الفردية في مختلف المناطق اللبنانية، بحجم إنتاج يُقدَّر بنحو 1500 ميغاواط. ومن الممكن جدًا شبك هذه الوحدات على شبكة لامركزية في المناطق والقرى، وتنويع الاستفادة منها وتوسيعها.

– الثاني: توسّع مطامر النفايات «اللاصحّية»، ولا سيما على حدود بيروت الشمالية في الجديدة، والجنوبية في الكوستابرافا، بما يتيح فرصة لتوليد الكهرباء وتعويض، ولو جزئيًا، الأثر البيئي المدمّر الذي يتسببان به.

تحويل النفايات إلى طاقة

قطار الحل الذي تجرّ وراءه هاتان المقصورتان قد انطلق. فمن جهة، بدأت بعض القرى بتوليد الكهرباء من مزارع الطاقة الشمسية وربطها على شبكة المولدات لتوفير الخدمة للجميع. ومن جهة ثانية، أحالت الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى وزارة المالية نسخة عن كتاب مجلس الإنماء والإعمار المتعلق بتكليفه إعداد دراسة تنفيذ مشروعين: إنشاء منظومة توليد كهرباء من الطاقة الشمسية على سطح مطمر الجديدة، وإنشاء محطة لتوليد الكهرباء من الغاز المنبعث من المطمر، يقول منسق سياسات الشراكة في المعهد اللبناني لدراسات السوق غسان بيضون.

وترافق هذا القرار مع خطوة متقدمة تتعلق بإيلاء البلديات صلاحيات متمّمة لشؤون النفايات. فبموجب القرار رقم 1 تاريخ 9/10/2025، وافق مجلس الوزراء على ما يلي:

– تمليك بلدية الجديدة–البوشرية–السد العقار القائم عليه مطمر الجديدة بعد إقفاله نهائيًا، وتثبيت حقها الحصري في استثمار سطح المطمر في أنشطة تتوافق مع طبيعة الموقع، وتعود عائداتها حصرًا للبلدية.

– اعتبار المشروعين، إنشاء منظومة توليد كهرباء من الطاقة الشمسية على سطح مطمر الجديدة، وإنشاء محطة لتوليد الكهرباء من الغاز المنبعث من المطمر، ملكًا لبلدية الجديدة–البوشرية–السد، ويعود لهذه البلدية حصرًا حق استثمار الطاقة المنتجة، على أن يتم الاستثمار تحت إشراف هيئة تنظيم قطاع الكهرباء.

– الترخيص للبلديات إنشاء معامل لمعالجة النفايات على أنواعها كافة، مستوفية الشروط البيئية، وعلى نفقتها الخاصة، أو عن طريق الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، أو المساعدات، أو من خلال اعتمادات تُخصَّص لهذه الغاية.

تكرار الخطط لا ينفع

مثل هذه الحلول القائمة على إنتاج الكهرباء وتوزيعها لا مركزيًا، بالتعاون بين البلديات والقطاع الخاص، هو ما يحتاجه لبنان لإنهاء أزمة الكهرباء مرة واحدة ونهائية، يؤكد بيضون. أما التفتيش عن ساعات تغذية إضافية من خارج هذا السياق، فلن يؤدي إلا إلى استمرار الدوران في الحلقة المفرغة.

ليس في هذا التحليل تجنٍّ، ولا انصياع وراء رغبات صندوق النقد الدولي لتفريغ القطاع العام من مؤسساته وخصخصة الخدمات، كما يسوّق البعض عن جهل أو سوء نية، بل هو واقع مثبت بالأرقام. ففي شتاء 2022، خرجت «الخطة الوطنية للنهوض المستدام بقطاع الكهرباء في لبنان» إلى العلن. وقد تضمنت رؤية الوزارة وتقييمها للوضع الراهن، والعمل على زيادة وتنويع إمدادات الطاقة، وتخفيض الهدر، وتحسين أداء خدمات التوزيع، وتحقيق الاستدامة المالية، وتفعيل الحوكمة… وغيرها من «الشعارات الورقية».

وبعد أقل من ستة أشهر، لم يتحقق خلالها أي تقدم يُذكر، خرجت الحكومة بـ«خطة الطوارئ الوطنية لقطاع الكهرباء في لبنان». ونصّت هذه الخطة، باختصار، على رفع تعرفة الكهرباء إلى 27 سنتًا للكيلوواط ساعة، وتأمين الفيول للمعامل لمدة 5 إلى 6 أشهر، وتسديد فواتير المرافق العامة المقدّرة بـ200 مليون دولار سنويًا، ومؤازرة مؤسسة الكهرباء في رفع التعديات، وتعديل التعرفة كل شهر أو شهرين بحسب كلفة الإنتاج الحقيقية المعتمدة على سعر النفط العالمي، وتسديد الدولة كامل كلفة شراء النفط العراقي المقدّرة سنويًا بحوالي 460 مليون دولار، على أساس سعر 110 دولارات لبرميل النفط، وذلك لتأمين تغذية لا تقل عن ست ساعات يوميًا، وترتفع تدريجيًا إلى 12 ساعة وأكثر.

ماذا تحقق من الخطط المركزية؟

صفر. بل يمكن القول أقل من صفر بكثير. فمؤسسة كهرباء لبنان لم تعجز عن زيادة التغذية فحسب، بل تركت المواطنين مع تعرفة باهظة وثابتة لا تتغير، رغم انخفاض سعر النفط عالميًا من 110 دولارات إلى 60 دولارًا. وكان يفترض، تبعًا لذلك، تخفيض التعرفة إلى حدود النصف، أو إلى 13 سنتًا على الأقل للاستهلاك الذي يزيد على 100 كيلوواط ساعة شهريًا، وهو ما لم يحدث ولن يحدث، لأن نسبة الهدر الفني وغير الفني على الشبكة تفوق 50%.

وتعاني مؤسسة الكهرباء فوضى مالية ومحاسباتية غير مسبوقة، وانعدامًا فاضحًا في الرقابة، إذ تتعمد عدم إدخال جزء من الفواتير إلى خزينتها ووضعها في صندوق لا يُعرف من ينتفع منه أو في أي حساب يصبّ. ويترافق ذلك مع عدم تجديد الهيكلية الإدارية للمؤسسة، والإبقاء على رئيس مجلس الإدارة خلافًا للقانون، واستمرار الدولة في تحمّل كلفة الفيول العراقي من دون تسديدها، ما راكم دينًا تجاوز حتى الآن ملياري دولار.

الخطط التقليدية القائمة على المركزية في الإنتاج والنقل والتوزيع تتكرر منذ «أبد الآبدين» من دون تنفيذ. فهل نستمر بها، ضاربين بعرض الحائط أحد أشهر الأقوال: «الغباء هو أن تكرر الشيء نفسه، بالخطوات نفسها، وبالطريقة نفسها، وتنتظر نتيجة مختلفة؟»، أم ننتقل إلى البدائل التي تحقق الإصلاح فعلًا لا قولًا؟