رفع الراية الحمراء على الميزان التجاري.. يخفي سبب العجز الجوهري

العجز

أثارت إحصاءات التجارة الخارجية للأشهر الأحد عشر الأولى من العام الماضي «نقزة» في أوساط المواطنين، وتحولت إلى «شمّاعة» لدى بعض المغرضين. فالأرقام التي أظهرت عجزًا تجاريًا مرشّحًا لأن يتجاوز 17.6 مليار دولار بعد صدور نتائج كانون الأول، اعتُبرت مهولة. فهي لا تفوق أرقام العجز المحقَّقة في العام 2024 بأكثر من 30 في المئة فحسب، إنما تأتي في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية. وقد دفعت هذه النتيجة البعض إلى المناداة برفع الرسوم الجمركية للتأثير في الاستيراد وحماية المنتجات المحلية. وسواء كانت هذه المطالب نابعة عن حسن نية أو سوءها، فإن نتيجتها واحدة على الاقتصاد: المزيد من العزلة والانغلاق، مع عدم التمكن من “خدش سطح” ضعف الإنتاج الوطني، وبالتالي عدم التأثير إيجابًا في نسبة التصدير.

بالأرقام، استورد لبنان لغاية نهاية تشرين الثاني 2025 نحو 19 مليار و377 مليون دولار، مقارنةً مع 15 مليار و717 مليون دولار للفترة نفسها من العام 2024، أي بزيادة نسبتها 23.3 في المئة وبقيمة 3 مليارات و660 مليون دولار.

في المقابل، ارتفعت فاتورة التصدير من لبنان إلى 3 مليارات و211 مليون دولار، مقارنةً مع مليارين و495 مليون دولار عن الفترة نفسها من العام 2024، أي بزيادة 28.7 في المئة وبقيمة 716 مليون دولار.

العجز ليس مؤشراً سلبيًا بحد ذاته

الملفت، من حيث الشكل، كان زيادة الصادرات مقارنةً بالواردات من حيث النسبة المئوية لا القيمة. أمّا في المضمون، فإن هذا العجز لا يستدعي رفع الراية الحمراء والمناداة بوضع ضوابط جمركية، لأنه «ليس مؤشرًا سلبيًا بحد ذاته»، يقول الباحث في “المعهد اللبناني لدراسات السوق” (LIMS) كرابيد فكراجيان. وتحميل هذا العجز كلّ الأزمات التي يعانيها الاقتصاد ما هو إلا تبسيط للمشاكل في غير مكانها.

على الرغم من ارتفاع العجز في الميزان التجاري في العام 2025 بنسبة 22.3 في المئة على أساس سنوي إلى 16 مليار و166 مليون دولار، حقق ميزان المدفوعات فائضًا اسمياً بقيمة 17 مليارًا و300 مليون دولار، بحسب آخر الإحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان، بعد أن كان قد حقق فائضًا تجاوز 7 مليارات دولار في عام 2024. وإذا وضعنا الارتفاع في قيمة احتياطي الذهب في مصرف لبنان بقيمة 14.3 مليار دولار جانبًا، يبقى فائض حقيقي بنحو 3.3 مليار دولار، وهو ما يدل ببساطة على أن حجم العملة الصعبة الذي دخل إلى البلد يفوق ما خرج منها بأكثر من 3 مليارات دولار. «هذا هو المؤشر الذي يجب النظر إليه»، يؤكد فكراجيان، وليس الميزان التجاري.

الاقتصاد ينمو

العجز في الميزان التجاري قد يكون، بحسب فكراجيان، دليل صحة وعافية في الاقتصاد، إذ يدل على أن الاقتصاد ينمو ويستهلك، وأن دخل الأفراد يزداد. ويؤشر ذلك بشكل خاص في الاقتصاد اللبناني إلى أن تحويلات المغتربين وبعض الخدمات مثل السياحة تعوّض جزءًا أساسيًا من هذا العجز.

باستثناء قلة من الدول، وفي مقدمتها الصين، تحقق فائضًا في ميزانها التجاري، فإن أكثرية الدول تحقق عجزًا. فالعجز في الميزان التجاري للولايات المتحدة الأميركية مستمر منذ أواسط السبعينيات، ووصل مؤخرًا إلى أكثر من 1000 مليار دولار، ومثلها الهند، وبريطانيا، وتركيا، وفرنسا، واليابان، وإسبانيا، واليونان، رغم أنها دول صناعية ومصدرة بامتياز. وعليه، طالما العجز في الميزان التجاري لا يستنزف العملة الصعبة من الاقتصاد، ولا يؤدي إلى تمويل الواردات من الاحتياطيات أو الدين الخارجي، ويقابَل بتدفقات العملة الصعبة من التحويلات والاستثمارات، فهو لا يمثل مشكلة بالنسبة للاقتصاد.

العجز التجاري و”السكري

يشبه البعض العجز في الميزان التجاري بمرض السكري في الدم؛ فالمريض يمكن أن يتعايش معه بسهولة، شرط ألا يرفع معدلات الإنسولين في جسمه من خلال تناول السكريات. وفي حالة الميزان التجاري، فالسكر هو عجز الموازنة العامة، وهذا ما خبرناه بالضبط في لبنان. فالذي تسبب خلال الفترات الماضية، ولاسيما منذ العام 2011 ولغاية 2022، بمشاكل اقتصادية هو العجز التوأم، في الموازنة وميزان المدفوعات. وقد دفع العجز الدائم في الموازنة نتيجة الأحداث السياسية والسياسات الاقتصادية، إلى تمويل فاتورة الاستيراد من الاستدانة والاحتياطيات. ترافق ذلك مع فقدان الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتدفقات النقدية الوازنة، ما دفع إلى فقدان الاقتصاد أكثر من 30 مليار دولار خلال هذه السنوات. وبالعكس، حين توقف العجز في الموازنة منذ العام 2024، بدأ ميزان المدفوعات يحقق فائضًا، وذلك على الرغم من استمرار العجز في الميزان التجاري، الأمر الذي يدفع للاستنتاج أن عجز الموازنة العامة وارتفاع إنفاق الدولة هو جوهر المشكلة، وليس نسب الاستيراد.

تخفيض العجز التجاري مطلوب، ولكن كيف؟

التوازن في الميزان التجاري، أو على الأقل تخفيض العجز بالنسبة للحالة اللبنانية، يتطلب زيادة الصادرات، وهذا لا يتم من خلال رفع الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة لحماية القطاعات الإنتاجية، إنما بتخفيض الأكلاف التشغيلية التي تتأثر بحسب فكراجيان بشكل أساسي بالكهرباء والمياه والطرقات والرسوم وعمل المرفأ، إضافةً إلى الرشى والمعاملات البيروقراطية. وهذه المشاكل كلها مسؤولة عنها الدولة بشكل مباشر، لأنها تحتكر الكهرباء والمياه، وتفرض أعلى الضرائب والرسوم، ولا تضبط التهرب الجمركي والتهريب، وتغض الطرف عن الرشى والعمولات المرتفعة التي يطلبها الموظفون، ولا تضبط الإضرابات والإقفالات المتكرّر للمؤسسات، وتعطيل المعاملات.

وتكفي الإشارة إلى بعض النقاط لمعرفة الكلفة التي يتحمّلها المنتجون اللبنانيون مقارنةً مع الدول المجاورة:

  • تشكل الكهرباء 10 في المئة على أقل تقدير من كلفة الإنتاج، وتصل إلى 40 في المئة في الصناعات التحويلية.
  • يدفع المنتج اللبناني 40 سنتًا للكيلوواط ساعة كمعدل وسطي لتأمين الكهرباء، مقارنة مع 2 سنت في مصر، و5 سنت في الدول الخليجية.
  • تصل كلفة إيصال الحاوية من المصنع إلى ظهر السفينة إلى 800 دولار، فيما لا تتجاوز في المتوسط العالمي 150 دولارًا.

ومن الطبيعي أن تنعكس كل هذه التكاليف عجزًا عن التصدير وارتفاعًا في الأسعار مقارنةً ببضائع دول أخرى، سواء كان في الأسواق المحلية أو الأجنبية. هذا عدا عن عجز لبنان عن فتح أسواق جديدة لتصريف إنتاجه، وفشله بشكل مطلق في التواصل مع الدول المستوردة لرفع الرسوم غير الجمركية النوعية التي تفرض على البضائع اللبنانية، إما لأسباب سياسية، أو لمعرفة الدول بعجز لبنان عن فرض شروطه.

حل هذه المشاكل يخفض العجز في الميزان التجاري من دون الحاجة إلى تخفيض قسري في الواردات. وبحسب فكراجيان، النظرة الانتقادية لهذا الميزان يجب أن تكون من زاوية حل المشاكل التي تواجه مختلف القطاعات، وتعديل الضرائب المرتفعة على الأرباح، وتسهيل التراخيص المعقدة، وتخفيض الكلفة المرتفعة للطاقة. وهو ما يتطلب برأيه أن تبدأ الهيئة الناظمة، التي جرى تعيينها حديثًا، بالترخيص لمعامل يمكنها بيع الطاقة بأسعار منخفضة ونظيفة. كما يجب إلغاء الإجراءات الجمركية لتسهيل الاستيراد والتصدير.

رقم جديد اعطانا إياه الميزان التجاري، يمثل جرس إنذار لعدم التأخر في اعتماد الإصلاحات الأساسية. فالفائض في ميزان المدفوعات، وإن كان أعاد التوازن على الاقتصاد، فهو مهدد اليوم بسبب زيادة الإنفاق على الرواتب والإعمار وغيرها من الأمور التي قد تعيد العجز إلى الموازنة. وهذا ما لا يدفع إلى استمرار الدوران في الحلقة المفرغة، إنما تعميق الانهيارات الاقتصادية.