ودائع النقابات “تسقط سهواً” بـ “الفجوة” وانتشالها لا يحتاج إلى معجزة

الفجوة

قبل أيام من بدء اللجان المختصة في البرلمان اللبناني مناقشة مشروع قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع» – الفجوة، تنشط نقابات المهن الحرة للدفاع عن ودائعها في المصارف. فمشروع القانون، على أهميته، لم يتطرق إلى ودائع هذه النقابات، لا من قريب ولا من بعيد، وقد عاملها على أساس أنها ودائع فردية تُعاد وفقاً للهوامش التي أقرّها، وعلى مدار سنوات طويلة، الأمر الذي لا يستقيم مع طبيعة هذه الودائع وطريقة توظيفها في القطاع المصرفي المحلي.

خلافاً لودائع الأفراد الذين كان لهم ملء الحرية في توظيفها داخلياً أو خارجياً، فإن نقابات المهن الحرة كانت مُلزَمة بتوظيف أموالها بين مصرف لبنان والمصارف بنسبة 90 في المئة. وحتى نسبة الـ10 في المئة المتبقية استُدرجت إلى الداخل، وضاعت في طاحونة تفتيت الودائع عبر تثبيت سعر الصرف، والدعم، وتسليف الدولة من دون حسيب أو رقيب. هذا من جهة، أما من الجهة الثانية، فإن الجزء الأكبر من هذه الودائع عبارة عن صناديق تقاعد مخصّصة لعشرات آلاف المنتسبين الذين تمنعهم القوانين الداخلية لنقاباتهم من مزاولة العمل بعد خروجهم إلى التقاعد. ومن دون تعويض مُجدٍ ومُحقّ، «سيموتون من الجوع» مجازياً، ويفقدون أي أمل بالأمان والاطمئنان الاجتماعيَّين.

توحيد آلية المطالبة

قبل إبصار مشروع قانون الفجوة النور، اجتمعت، في 7 أيار 2024، نقابات المهن الحرة في نقابة المهندسين في بيروت، واتخذت قراراً بتوحيد آلية المطالبة بحقوقها. فالتقت حاكم مصرف لبنان بالإنابة، وسيم منصوري، وتوصلت معه إلى اتفاق يضمن استردادها مبلغاً سنوياً كفيلاً بتأمين متطلباتها وتسديد تعويضات نهاية الخدمة لمنتسبيها. وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق كان مجحفاً، «إلا أننا قبلنا به على مضض، لمعرفتنا بالظروف المالية التي يمرّ بها لبنان وحاجتنا إلى حل قابل للتطبيق»، يقول نقيب المهندسين في بيروت، فادي حنّا.

ودائع النقابات بالأرقام

تضمّ نقابات المهن الحرة في لبنان نحو 170 ألف منتسب، يتوزّعون بشكل أساسي على نقابات المهندسين، والمحامين، والأطباء، وأطباء الأسنان، والصيادلة، وخبراء المحاسبة، والمعلمين، إضافة إلى المدارس الخاصة، والمستشفيات، والمعالجين الفيزيائيين. كما يستفيد من هذه النقابات 10 آلاف و729 متقاعداً وأرملاً وأرملة، يعتاشون من الرواتب التقاعدية التي تؤمّنها. وفي حال جرى التعامل مع ودائع هذه النقابات على أنها ودائع أفراد، وإعادة ما يصل إلى 100 ألف دولار نقداً ومقسّطاً على أربع سنوات، مع تحويل المبالغ التي تفوق هذا السقف إلى سندات مؤجّلة لأكثر من عشر سنوات، فإن ذلك سيؤدي إلى عجز النقابات عن تحسين قيمة الرواتب التقاعدية وتعويضات نهاية الخدمة. وسيحكم بالتالي، على آلاف العائلات بالفقر، ويحوّل متطلباتها المعيشية إلى عبء إضافي على الدولة المنهَكة أصلاً بما لديها من أعباء.

تتوزّع ودائع نقابات المهن الحرة في المصارف على ثلاثة صناديق أساسية، هي: الصندوق النقابي، والصندوق التعاوني المخصّص للمساعدة الاجتماعية والتقديمات الصحية، وصندوق التقاعد. ويُعدّ هذا الأخير الصندوق الأهم وحجر الزاوية في التقديمات، إذ يبلغ حجمه نحو 500 مليون دولار، ويستحوذ على أكثر من 50 في المئة من مجمل ودائع النقابات، التي تصل إلى حدود مليار دولار.

ويُقسَّم صندوق تعويضات نهاية الخدمة على النقابات على الشكل التالي:

47 مليون دولار لنقابة أطباء الأسنان في بيروت،

6 ملايين دولار لنقابة الأطباء في طرابلس،

62 مليون دولار لنقابة المحامين في بيروت،

1.4 مليون دولار لنقابة المحامين في طرابلس،

129 مليون دولار لنقابة الصيادلة،

11 مليون دولار لخبراء المحاسبة،

247 مليون دولار لنقابة المهندسين في بيروت،

و11 مليون دولار لنقابة المهندسين في طرابلس.

إلزمية التوظيف بالداخل

ويُلزم النظام المالي في نقابات المهن الحرة هذه النقابات بتوظيف 10 في المئة من أموالها خارج لبنان، و90 في المئة داخل لبنان، مقسومة مناصفة بين الليرة اللبنانية والدولار الأميركي»، يقول حنّا. وللمثال، كانت نقابة المهندسين في لبنان تملك ودائع بقيمة 289 مليار ليرة لبنانية موظّفة بالليرة بشكل إلزامي. وهذا المبلغ، الذي كان يوازي 192 مليون دولار، تبخّر «بشحطة قلم» بعدما لم يعد يساوي، على سعر الصرف الجديد، أكثر من 3.5 ملايين دولار. في المقابل، فإن المبلغ المتبقي بالدولار، والبالغ أكثر من 240 مليون دولار، سيُعاد منه 100 ألف دولار مقسمة على 4 سنوات بقيمة 25 ألف دولار.  أما «الخبر الأفجع»، يضيف حنّا، فهو أن المبلغ الموظَّف في مصرف لبناني خارج لبنان أُعيد، بقرار من المصرف في العام 2019، فـ «فخسرناه أيضاً».

الحل المرتجى

إزاء هذا الواقع، ولحماية المنتسبين إلى النقابات، وضعت نقابات المهن الحرة ثلاثة سيناريوهات لاستعادة الأموال، تتدرج من الأفضل إلى المقبول. ينص السيناريو الأول على تكفل الدولة اللبنانية بإعادة 57 مليون دولار سنوياً، والثاني على إعادة 38 مليون دولار، والثالث على 18 مليون دولار. وتكفل هذه الآلية حماية النقابات لمنتسبيها بالسقف المتفق عليه لإعادة الأموال، بحسب حنّا، من دون أن يشكل عبئاً كبيراً على الدولة. وقد أعربت مختلف المرجعيات السياسية والمالية التي التقاها الوفد عن صوابية الحل ومنطقيته وقابليته للتنفيذ.

كلام العام 2025 “سقط سهواً” من مشروع قانون الفجوة، بحسب ما أفاد مسؤول رفيع في تصرح له أمام وفد النقابات. وعلى الرغم من كل الوعود بأخذ هذا الملف بعين الاعتبار، فإنها لم تُترجم حتى اللحظة إلى واقع ملموس. وتشدد نقابات المهن الحرة على إشراكها في النقاشات التي ستُفتح تحت قبة البرلمان، على الأقل فيما يخص مصالحها، وضمان أن تكون الأرقام واضحة، لا سيما أن تقديرات الفجوة تتراوح بين 15 و45 مليار دولار بحسب المسؤولين، مع التأكيد على ضرورة وجود محاسبة. فمن دون مساءلة جدية لمن تسبب بالانهيار، لن تستعاد الثقة بالنظام المصرفي.

وتشير النقابات إلى أن كل الوفورات التي تحققها ستوضع خارج لبنان، ما يحرم القطاع المصرفي من مبالغ وازنة. ففي العام الماضي، حولت نقابة المحامين، على سبيل المثال، 30 مليون دولار من الوفورات إلى الخارج، ولم تُودعها في المصارف اللبنانية، على الرغم من كل الضمانات التي حاولت منحها للحسابات الجديدة بالـ «فريش دولار».

ودائع النقابات سقطت في الفجوة المالية، وانتشالها لا يحتاج إلى معجزة، إنما إلى قرار جريء وواضح، نظرا لما تمثله هذه النقابات من رافعة اقتصادية وضامنة اجتماعيا في مجتمع يتآكله الفقر والعوز.