إشكالية العلاقات اللبنانية-السورية من منظور تجاري

العلاقات اللبنانية- السورية

 

لا تلبث أن تُحلّ عقدة في العلاقات التجارية اللبنانية – السورية المتشابكة، حتى تظهر عقدٌ جديدة. فالمصدّرون اللبنانيون، الذين انتظروا طويلًا رفع رسم الحرب والتعويض على عوائل الشهداء الجائر، الذي فُرض على الشاحنات الواصلة إلى سوريا أو العابرة عبرها من قبل النظام السابق، تفاجأوا بمنع دخولهم الأراضي السورية بلوحاتهم اللبنانية. واحتشدت الشاحنات المحمّلة بالخضار والفواكه على معابر المصنع، والعريضة، والدبوسية، بانتظار إيجاد مخرج لهذا المأزق المستجد، وسط تساؤلات عن خلفية القرار، وما إذا كان مؤشرًا إلى التضييق على التجار اللبنانيين مستقبلًا.

ينصّ القرار الصادر عن «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية» على عدم السماح بدخول الشاحنات غير السورية إلى أراضي الجمهورية العربية السورية عبر المنافذ البرية الحدودية. وتجري عملية نقل البضائع بين الشاحنات السورية وغير السورية ضمن ساحة الجمارك في كل منفذ، وفق الأصول المعتمدة. على أن يُستثنى من أحكام هذه المادة الشاحنات العابرة بصفة ترانزيت. وتتولى الضابطة الجمركية مرافقتها بين المنفذين وفق الإجراءات النافذة.

أسباب المنع

القرار السوري «لا يؤثر على المنتجين اللبنانيين، سواء كانوا زراعيين أو صناعيين، بقدر ما يؤثر على أصحاب الشاحنات» ، يؤكد رئيس لجنة الاقتصاد في «غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع»، طوني طعمة، فـ “بإمكان المنتج اللبناني تحميل بضائعه بالشاحنات ذات النمر السورية مباشرة، أو نقلها إليها عند الحدود، وإيصالها إلى الداخل السوري. وعليه فإن ما يُفهم من القرار كردّة فعل أولية، أنه «قرار تنظيمي يهدف إلى حماية ودعم قطاع النقل السوري».

البحث أكثر في خلفيات القرار يُظهر معطيات جديدة، قد تكون دفعت وزارة النقل إلى التشدّد بمنع دخول الشاحنات ذات النُمَر الأجنبية عمومًا، واللبنانية خصوصًا، أراضيها. فالشاحنات اللبنانية التي كانت توصل البضائع إلى سوريا كانت تعود محمّلة بالبضائع السورية، ما يؤثر سلبًا على عمل قطاع النقل السوري. هذا من جهة، أما من الجهة الثانية فإن الحكومة اللبنانية وضعت في موازنة العام 2026 رسمًا بقيمة 50 دولارًا على دخول الشاحنات الأجنبية الفارغة عبر المنافذ البرية، ورسمًا آخر بقيمة 50 دولارًا على تصريح نقل البضائع.

على الرغم من الرسم المستجد على الشاحنات السورية، يبقى أقل بكثير من الأكلاف التي سيتحمّلها المنتجون اللبنانيون وقطاع النقل البرّ، نتيجة للقرار الأخير تؤكد مصادر قطاع النقل. وبرأيها فإن «حصر نقل البضائع بالشاحنات السورية يحدّ من المنافسة في القطاع، ويساهم بتحكّم الناقلين السوريين بالأسعار». وهو الأمر الذي قد يرفع الكلفة على المنتجين اللبنانيين، ويؤثر سلبًا على القدرة التنافسية للبضائع اللبنانية في السوق السورية المفتوحة أساسًا على التهريب من تركيا. ومن المعروف أن الأخيرة تدعم أكلاف إنتاجها الصناعية، وتصدّر منتجات زراعية منافسة لتلك اللبنانية بكميات كبيرة وبأسعار أرخص.

المعاملة بالمثل ليست الحل

إزاء هذا الواقع، علت الصرخات من مختلف القطاعات في لبنان مطالِبةً بالمعاملة بالمثل. فإن منعت سوريا دخول الشاحنات اللبنانية، فلتمنع وزارة النقل دخول الشاحنات السورية. فلبنان «لا يزال يستقبل يومياً أكثر من مئتي شاحنة سورية تدخل أراضيه وتمارس عملها بشكل طبيعي»، يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان، مارون الخولي، ما يضع لبنان مجدداً في موقع الطرف المتلقّي للضغوط بدل الشريك في علاقة متوازنة قائمة على المصالح المشتركة. ودعا الخولي الحكومة إلى التحرك السريع والفاعل على المستويين السياسي والدبلوماسي، قبل أن تُدفَع الإجراءات إلى المطالبة بمنع الشاحنات السورية من دخول الأراضي اللبنانية، وهو مسار لا يرغب به أحد، لكنه يصبح مشروعاً في حال استمرار سياسة الكيل بمكيالين.

المطالبات اللبنانية بالمعاملة بالمثل، رغم أحقيتها، قد لا تصب في مصلحة لبنان. فمع رفع الحظر عن تجارتها، وإعادة تأهيل موانئها البحرية والجوية، وانفتاحها برياً على أبرز المنافذ نحو تركيا والأردن والعراق، والتي تمثل بدورها بوابات إلى السعودية وبقية الدول العربية، أصبح من السهولة بمكان أن تستغني سوريا عن المرور عبر لبنان.

وعلى العكس، يظل لبنان لا يملك سوى بوابة واحدة لعبور البضائع إلى الدول العربية عبر سوريا. ومن الممكن جداً أن تكون سوريا قد أدركت مكانتها الجديدة، فتشدّدت تجاه لبنان ورفعت الشروط التجارية لضمان أقصى حماية ممكنة لقطاعاتها الإنتاجية والخدمية.

الرسوم على المنتجات مستمرة

الأمور لا تقف عند هذا الحد، فبين الحين والآخر تُفرض على البضائع اللبنانية رسوم جديدة، بما يتعارض مع اتفاقية التيسير العربية بشكل عام، ومع اتفاقيات الأخوة الموقعة سابقاً بشكل خاص.

وبالعودة قليلاً إلى الوراء، فرض النظام السوري السابق على المصدرين اللبنانيين تجميد 270 ألف دولار في المصرف المركزي السوري لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر مقابل تصدير 500 طن من الموز. وقد أدّى هذا الإجراء، الذي استمر لسنوات، إلى عجز المزارعين اللبنانيين عن تصريف إنتاجهم، واضطر العديد منهم إلى قبع شتولهم والانتقال إلى زراعات أخرى غير مضمونة النتائج. وبالتوازي مع هذا الإجراء، وُضعت رسوم وخوات وإتاوات على الشاحنات اللبنانية العابرة لسوريا بقيمة تتجاوز 5,000 دولار للوصول إلى الحدود العراقية.

صحيح أن رسوم العبور الاعتباطية رفعت مع سقوط النظام البائد، إلا أن المزارعين اللبنانيين لا يزالون يعانون من استمرار الرسوم على المنتجات، ومنها مثلاً العنب، حيث تفرض سوريا رسماً بقيمة 100 دولار على كل طن عنب يدخل أراضيها. وعليه، فإن الرسم على الشاحنة الواحدة التي تحمل بين 20 و25 طناً يصل إلى 2,500 دولار، ما يوازي 10 سنت إضافي على كل كيلوغرام من العنب المصدر.

سقوط معاهدات الأخوة والتنسيق المشوهة ومجلسها الأعلى للتنسيق مع سقوط نظام الأسد، وضعف فعالية اتفاقية التيسير العربية وأدواتها التنفيذية، يستلزم على لبنان وسوريا وضع أسس علاقة اقتصادية وتجارية جديدة قائمة على العدالة والتوازن، بما في ذلك تسهيل نقل وانتقال البضائع وانسيابها من دون أي عوائق، بما يخدم في النهاية مصلحة المواطنين في كلا البلدين.