ارتفاع الأسعار قبل رمضان: غياب قوانين المنافسة عزّز الاستغلال التجاري

تشهد الأسواق اللبنانية ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، خاصة قبل شهر رمضان، على عكس ما يحدث قبل الأعياد الأخرى كالميلاد وعيد الأضحى. يعود جزء كبير من هذا الارتفاع إلى استغلال التجار لزيادة الطلب على السلع والمواد الغذائية، إذ يعمد التجار إلى رفع الأسعار نتيجة زيادة الطلب بشكل كبير دون القدرة على تأمين الكميات الكافية.

تتحدد الأسعار في الأسواق الحرة والليبرالية بناءً على قانون العرض والطلب، فكلما زاد الطلب على سلعة معينة مقابل عدم القدرة على تأمينها بالكمية الكافية، ارتفع سعرها بشكل تلقائي. تحدث هذه الظاهرة في لبنان نتيجة الزيادة الكبيرة على الطلب، وخاصة فيما يتعلق بالخضار والفواكه والمواد الغذائية الأساسية.

تشير البيانات الصادرة عن وزارة الاقتصاد إلى أن أسعار الخضار ارتفعت بنسبة 30% منذ كانون الثاني 2025، في حين لم ترتفع أسعار السلع المستوردة الأخرى إلا بنسبة تتراوح بين 4% و6%. يعزى هذا الفارق الكبير إلى استغلال التجار في أسواق المفرق، حيث توضع الأسعار دون أي ضوابط أو رقابة فعلية.

يعود ارتفاع الأسعار غير المبرر إلى سببين أساسيين: الأول هو عدم وجود قانون للمنافسة في لبنان، والثاني هو غياب قانون فعال لحماية المستهلك. صدر في لبنان عام 2022 قانون يتعلق بالمنافسة، ينص على تشكيل مجلس المنافسة الذي يراقب الأسواق ويراقب مستوى التنافسية فيها ويسمح بدخول منافسين جدد. لكن تطبيق هذا القانون يتطلب من وزير الاقتصاد دعوة مجلس القضاء الأعلى ونقابة المحامين وغرفة التجارة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي لتسمية سبعة ممثلين في مجلس المنافسة وتشكيل الهيئة الوطنية للمنافسة، وهو أمر لا يزال معلقاً حتى اليوم.

يحتاج هذا القانون أيضاً إلى تعديل، إذ يسمح بنسبة هيمنة على السوق تصل إلى 35%، وهو رقم مرتفع جداً مقارنة بالدول الأخرى التي تحدد معدل الهيمنة بين 10% و15%. يسمح هذا المعدل المرتفع لشخصين فقط باحتكار السوق بأكمله، مما يضعف المنافسة ويرفع الأسعار.

أما بالنسبة لقانون حماية المستهلك، فقد عملت لجنة الاقتصاد والتجارة على تعديله منذ عام 2005 من خلال عشرات الجلسات، لكن القانون لم يصدر حتى اليوم. تقع مسؤولية تأخر إقرار هذا القانون على البرلمان اللبناني، حيث تحدث الاختلافات داخل اللجان نتيجة تدخلات من بعض النافذين الذين يعملون على عرقلة القوانين ومنع صدورها لأنها ستؤثر على مصالحهم.

تعتمد السياسات الاقتصادية في لبنان على نهج حمائي يفرض رسوماً إضافية على السلع المستوردة. فرض لبنان خلال فترة كورونا رسماً بنسبة 3% على كل السلع الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة، والتي تبلغ نسبتها 11% وتعتبر أحد الأركان الأساسية لتمويل الخزينة. تطبق هذه الرسوم على المواد الأولية والصناعية، مما يرفع تلقائياً أسعار السلع المستوردة. يستورد لبنان حوالي 80-85% من السلع التي يستهلكها، بما في ذلك المواد الأولية للسلع المصنعة محلياً.

ترفض الدول الشريكة تجارياً والاتحاد الأوروبي هذه الرسوم الحمائية لأنها تشكل حواجز غير رسمية على الاستيراد، وهو أمر ممنوع دولياً. تقابل هذه الدول الرسوم اللبنانية بإجراءات مماثلة تعيق حركة التصدير من لبنان، مما يضر بالاقتصاد الوطني.

تؤدي هذه الإجراءات الحمائية، التي زادت بشكل كبير بعد عام 2020 وأزمة كورونا والأزمة الاقتصادية تحت ذريعة حماية الإنتاج الوطني، إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة. بدلاً من أن يؤدي هذا الحماية إلى تعزيز المنافسة، يسمح للقطاعات المحلية برفع أسعارها دون ضغط تنافسي من السوق، لأن المنافسة ضعفت بسبب الحماية من الاستيراد الخارجي. يتحمل المواطن في النهاية تكلفة هذه السياسات من خلال دفع أسعار أعلى.

تصدر وزارة الاقتصاد لوائح بالأسعار بناءً على مسح لحوالي 2003 محلات تجارية، لكن هذه اللوائح تمثل متوسط الأسعار ولا تحددها بشكل إلزامي. ترتفع الأسعار باستمرار رغم استقرار سعر الصرف على 98500 ليرة منذ عام 2023 ورغم استقرار سلاسل التوريد العالمية وتراجع التضخم العالمي، وذلك بسبب الرسوم الحمائية التي تفرض على السلع المحلية والتي تسمح للتجار والمصنعين المحليين بزيادة أسعارهم.

تمتلك وزارة الاقتصاد حوالي 700 عنصر رقابي، لكن السوق اللبناني يحتاج إلى أكثر من 2500 إلى 3000 عنصر لتغطية الرقابة بشكل كافٍ. يوجد نقص كبير في عدد العناصر، مما يجعل الرقابة ضعيفة وغير فعالة. فشلت كل التجارب القائمة على المنطق البوليسي والمكافحة الأمنية، في حين يتطلب الحل فتح السوق على المنافسة وتحريره من الاحتكارات.

لا يقتصر الاحتكار في لبنان على القطاع الخاص فقط، بل يشمل أيضاً القطاع العام الذي يحتكر قطاعات حيوية مثل الكهرباء. تبلغ كلفة إنتاج الكيلووات من الكهرباء في لبنان 27 سنتاً في الحالات الطبيعية وقد تصل إلى 50 سنتاً في المولدات الخاصة، بينما تبلغ هذه الكلفة في مصر 8 سنتات فقط. يؤدي هذا الاحتكار وعدم فتح السوق على المنافسة وعدم القدرة على تأمين الكهرباء للمواطنين إلى ارتفاع كلفة الإنتاج في جميع القطاعات.

يتطلب الحل تشكيل الهيئات المنظمة للقطاعات، وتطبيق قانون إنتاج الطاقة المتجددة والموزعة، وفتح السوق على المنافسة في قطاعات الكهرباء والاتصالات وغيرها، مما يسمح بتخفيف الأعباء على القطاعات الإنتاجية ويؤدي إلى تراجع الأسعار.

تتبع لبنان رزنامة زراعية تمنع دخول منتجات معينة في فترات معينة بحجة حماية الإنتاج الوطني. يبلغ سعر البطاطا في السوق اللبناني اليوم بين 50 و70 ألف ليرة للكيلو، ولو فتح الباب أمام الاستيراد من مصر مثلاً، لحدثت منافسة في السوق كانت ستخفض الأسعار. لا يتعارض وجود إنتاج وطني مع فتح السوق على المنافسة، لكن يجب أن يغطي الإنتاج الوطني السوق وأن يكون تنافسياً. لا يمكن الاستمرار في حماية الإنتاج الوطني الذي يعاني من كلفة إنتاج مرتفعة بسبب ارتفاع أسعار المياه والضرائب والرسوم وكلفة النقل والشحن، بل يجب تقوية الإنتاج الوطني وخفض كلفته من خلال الإصلاحات في القطاعين العام والخاص.

تسمح السياسات الحمائية والرزنامة الزراعية لعدد محدود من المنتجين والتجار بالاستفادة على حساب ملايين المواطنين اللبنانيين. سبق لوزير الاقتصاد سامي جماد أن واجه مشكلة مع المطاحن عندما توقفوا عن العمل وطلبوا سعراً أو عمولة أعلى، فقرر استيراد الطحين من الخارج بدلاً من استيراد القمح لطحنه في لبنان، رافضاً إرهاق خمسة ملايين لبناني لصالح سبعة أشخاص فقط. يجب أن يحكم هذا المنطق السياسات الاقتصادية، حيث تبدأ حماية القطاعات الإنتاجية بتخفيض الأعباء الإنتاجية والضرائب والرسوم، وجعل السلع تنافسية في الأسواق الداخلية والخارجية، بدلاً من فرض سياسات حمائية تضر بالمواطنين.

تفرض السياسة المالية في لبنان ضرائب ورسوماً جمركية دون تقديم خدمات أساسية كالكهرباء والماء، مما يزيد من كلفة الإنتاج. تفتقر موازنة عام 2026 إلى الرؤية الاقتصادية والاجتماعية، وتركز بشكل كبير على زيادة الضرائب والرسوم، إذ تظهر زيادة في الإيرادات بين موازنة 2025 وموازنة 2026 بمقدار مليار و300 مليون دولار، مما يشير إلى أن الموازنة محاسبية بحتة ولا تمثل خطة اقتصادية حقيقية لمعالجة التحديات التي يواجهها الاقتصاد اللبناني.

يتطلب الحل الحقيقي لأزمة ارتفاع الأسعار في لبنان اتخاذ إجراءات شاملة تشمل إقرار قانون المنافسة وتفعيله، وإصدار قانون حماية المستهلك، وإلغاء الرسوم الحمائية، وفتح الأسواق على المنافسة، وتخفيض الأعباء الضريبية والإنتاجية، وإصلاح القطاع العام، وفتح القطاعات الاحتكارية أمام القطاع الخاص. تتطلب هذه الإصلاحات إرادة سياسية حقيقية ووعياً من المواطنين لاختيار ممثليهم بناءً على برامجهم الاقتصادية وقدرتهم على إحداث التغيير الحقيقي، لا على أساس الانتماءات التقليدية.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على اذاعة لبنان الحر