تُمثّل الضرائب غير المباشرة في لبنان نحو 73% من مجمل الإيرادات الضريبية، وتُعدّ الأسهل في الاستحصال مقارنةً بالضرائب المباشرة التي يشيع التهرب منها. وتُدرّ ضريبة القيمة المضافة على الخزينة اللبنانية نحو ملياري دولار سنوياً، إذ تُؤمّن كل زيادة بنسبة 1% ما يقارب 200 مليون دولار إضافية. كما تُباع في لبنان نحو 300,000 صفيحة بنزين يومياً، ويُتيح فرض رسم بقيمة 300,000 ليرة عليها تحصيل ما بين 300 و320 مليون دولار سنوياً. أما رسوم المستوعبات في مرفأ بيروت، فتتراوح بين 50 و80 دولاراً وتُدرّ نحو 50 مليون دولار، فيما تُستكمل باقي التغطية من مصادر متنوعة لبلوغ هدف الزيادة البالغ 800 مليون دولار.
يُعزى استثناء الديزل من حزمة الرسوم الجديدة إلى اعتبارين رئيسيين: تفادي التصادم مع أصحاب المولدات من جهة، واعتماد لبنان الواسع على المازوت المستورد لتأمين الكهرباء في ظل تراجع ساعات التغذية إلى ما بين أربع وست ساعات يومياً من جهة أخرى. وتبلغ تكلفة الكيلوواط ساعة من المولدات الخاصة ما بين 65 و70 سنتاً، أي ما يفوق بأضعاف المعدل العالمي البالغ نحو 12 إلى 15 سنتاً، في حين تبلغ تكلفة كهرباء لبنان المعتمدة على الفيول نحو 27 إلى 30 سنتاً للكيلوواط.
تبرز على الصعيد الهيكلي مفارقة لافتة، إذ يضم القطاع العام اللبناني ما بين الموظفين الفاعلين والمتقاعدين نحو 320,000 موظف، يُشكّلون أكثر من 30% من القوى المنتجة، في حين لا يتجاوز المتوسط العالمي 15%. ويستدعي هذا الواقع إصلاحاً جوهرياً يشمل تنقية القطاع العام من الوظائف الزائدة، وإلغاء المؤسسات التي لم يعد لوجودها مبرر، وإصلاح أنظمة التقاعد لا سيما في الأسلاك العسكرية، فضلاً عن تطبيق قوانين الكهرباء والاتصالات 431 و462 الداعية إلى تحرير هذين القطاعين وفتحهما أمام القطاع الخاص.
يُقدَّر التهرب من ضريبة القيمة المضافة وحدها بنحو مليار دولار سنوياً، إذ تُشير التقديرات إلى أن إيراداتها يجب أن تبلغ 3 مليارات دولار لا ملياري دولار. ويُضاف إلى ذلك التهرب الجمركي والتهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية، حيث لا تتجاوز عائدات الرسوم الجمركية 600 مليون دولار رغم أن لبنان استورد في عام 2025 ما قيمته 21 مليار دولار، أي أن نسبة الرسوم الفعلية لا تتعدى 2.7% من قيمة الاستيراد بينما يبلغ أدنى رسم جمركي رسمي 5%.
تُستكمل صورة الإصلاح المطلوب بملفات شائكة أخرى، أبرزها قطاع المقالع والكسارات الذي يُرجَّح أن يُدرّ مليارات الدولارات للخزينة في حال أُدير بصورة سليمة، إلى جانب أملاك الدولة المُلزَمة بعائدات بخسة لا تعكس قيمتها الحقيقية.
تجدر الإشارة إلى أن معظم موظفي القطاع العام استعادوا نحو 80% من رواتبهم السابقة لعام 2019 من خلال بدلات الإنتاجية وصفائح البنزين والمكافآت الإضافية، في حين لا يزال أكثر من 70% من موظفي القطاع الخاص يتقاضون أقل من نصف رواتبهم قبل الانهيار، مما يكشف عن خلل عميق في العدالة بين القطاعين ويُلقي بأعباء مضاعفة على عاتق المنتجين الحقيقيين في الاقتصاد اللبناني.