التلوث يرفع لبنان إلى “القمة”.. ويُغرق الاقتصاد في قعر الأكلاف

التلوث

 

“لو بتعدّن، ما بينعدّوا…” مصادر التلوث في لبنان. نستأذن الفنانة كاتيا حرب بـ”استعارة” مطلع أغنيتها الشهيرة، ونكمل: “ياما ترجَوا” الناشطين وقفَ المجازر البيئية، و”ياما ودّوا” دراساتٍ وأبحاثًا علمية، من دون الوصول إلى أي حلول فعلية. بل على العكس، تتزايد تداعيات التلوث باطراد، واضعةً لبنان على رأس قائمة “الاتّساخ” العالمية، ومحمّلةً اقتصاده أكلافًا تفوق التصوّر.

لبنان، البلد المتناهي الصغر وغير النفطي، ذو الصناعات الخفيفة، التي تتراوح مساهمتها في الناتج المحلي المتواضع بين 7.5% و10%، احتلّ المرتبة الأولى إقليميًا والثالثة عالميًا على مؤشر التلوث. وبحسب مؤشر التلوث لعام 2026 الصادر عن Numbeo، والذي يغطي 115 دولة حول العالم، بينها 15 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حصل لبنان على 89.30 نقطة من أصل 100، متقدمًا على كلٍّ من مصر (82.50 نقطة، في المرتبة الحادية عشرة عالميًا) والأردن (77.10 نقطة، في المرتبة الثامنة عشرة عالميًا).

في المقابل، احتلّت دول نفطية ذات اقتصادات إنتاجية هائلة، تُقدَّر بمئات مليارات الدولارات، مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مراتب متأخرة نسبيًا على مؤشر التلوث، لتكون من بين الأقل تلوثًا إقليميًا. فقد سجّلت الإمارات 48.30 نقطة، محتلةً المرتبة 79 عالميًا، فيما سجّلت السعودية 61.70 نقطة، وجاءت في المرتبة 55 عالميًا.

أسباب التلوث

لا تقتصر الصدمة في هذا التقييم على حلول لبنان ضمن المراتب الثلاث الأولى عالميًا على مقياس التلوث، بل تمتد إلى كيفية حدوث هذا التراجع البيئي الحاد. فعدا عن كون لبنان بلدًا صغيرًا وغير صناعي، فهو يُعد غنيًا بالمياه، إذ تتجاوز طاقته المائية السنوية 10 مليارات متر مكعب من المياه العذبة. كما يسيطر الغطاء الأخضر على نحو ربع مساحته تقريبًا، موزّعًا بين 13% غابات و11% مناطق حرجية. ولا يتجاوز عدد سكانه 5.5 ملايين نسمة. وتُعد هذه العوامل الثلاثة: وفرة المياه والخضار، وانخفاض الطابع الصناعي، والكثافة السكانية المحدودة، عوامل يُفترض أن تحدّ من مستويات التلوث، وهي عناصر لا تتوافر مجتمعة في معظم الدول العربية.

لبنان “الفظيع” بطبيعته ومناخه، لم يسلم لبنان، من الاعتداءات التي طالت موارده في مختلف القطاعات. إذ تُقدَّر نسبة تلوّث ثروته من المياه السطحية والجوفية بأكثر من 90%، بحسب رئيس حزب البيئة العالمي ورئيس خبراء حماية الصحة والبيئة العالمية، ضومط كامل. وباستثناء نهري العاصي وإبراهيم اللذين يُعدّان ملوّثين جزئيًا، فإن مياه الصرف الصحي تغزو معظم الأنهار، وفي مقدّمها نهر الليطاني وبحيرة القرعون.

التلوث
كامل: كلفة التلوث تتجاوز المليار دولار سنويا

أما المياه الجوفية، فـ “هناك أكثر من 80 ألف بئر ارتوازي تُستخدم بشكل غير منضبط، وتتسرب إليها المياه المالحة والآسنة، ما يفاقم مخاطر التلوّث. كما أن معظم الينابيع تتعرّض لتلوّث متفاوت، يشتدّ خلال فصلي الصيف والخريف مع تراجع منسوب المياه.

المولدات الخاصة سببا أساسيا للتلوث

على صعيد تلوث الهواء، لا يبدو الوضع أفضل حالًا. فقد فرضت مشكلة الكهرباء المزمنة وجود مولّد خاص في كل مبنى أو حي سكني. فانتقل التلوث المركزي، الذي كانت تنفثه دواخين المعامل الأساسية العاملة بمعظمها على الوقود غير النظيف، إلى تلوثٍ لا مركزي ملاصق لأماكن سكننا وعملنا وتنزهنا. ويوجد في مدينة بيروت وحدها أكثر من 10 آلاف مولّد خاص، بقدرات تتفاوت بين 250 و500 KVA. وأغلبية هذه المولدات لا تلتزم الشروط الـ28 التي تفرضها بلدية بيروت والمتعلقة بالسلامة العامة وحماية البيئة وعدم الإزعاج.

فأغلب هذه المولدات لا ترتفع دواخينها إلى ما فوق مستوى الأبنية، ولا يلتزم أصحابها بوضع فلاتر (Diesel Particulate Filter) على دواخين المولدات التي تزيد قدرتها عن 250 kVA، للحد من التلوث الكبير الذي تسببه.

تلوّث المولّدات الخاصة المنزوعة الفلاتر يُضاف إلى عشرات المصادر الملوِّثة الأخرى، كالسيارات المنزوع منها “ديبو البيئة” (Catalytic Converter)، والدراجات النارية والباصات، ما حوّل مدننا وقرانا إلى بؤر غير صحية، تفوق فيها نسب التلوّث مثيلاتها العالمية بأشواط. وتكفي الإشارة إلى أن اللبنانيين يستهلكون يوميًا، في الظروف الطبيعية، نحو 8 ملايين ليتر من البنزين (400 ألف صفيحة)، و10 ملايين ليتر من المازوت (500 ألف صفيحة)، لتقدير حجم الانبعاثات الناتجة من المولدات والأفران ووسائل النقل.

المكبات العشوائية

يُضاف إلى التلوّث الهائل على صعيدي المياه العذبة والهواء تلوّثٌ أكبر في المياه المالحة، حيث تحوّل البحر إلى “جورة صحّية” تُصرَّف فيها مجارير المدن والبلدات، حتى البعيدة منها وغير المحاذية للشاطئ.

ويُضاف إلى مياه الصرف الصحي مكبّان مركزيان للنفايات في منطقتي الشويفات (الكوستابرافا) والدورة، تُطمر فيهما يوميًا أطنان من النفايات من دون أي معالجة، وتتسرّب عصارتها إلى البحر، لتضيف مشكلةً فوق مشكلة.

وفيما يخصّ الغطاء النباتي، وبعيدًا عن القطع الجائر والحرائق المفتعلة التي تتكرر سنويًا وتلتهم مساحات شاسعة، فإن الحرب الإسرائيلية منذ العام 2024، وما رافقها من عمليات رشّ مواد سامة على الأحراج من الطائرات، قلّصت بشكل كبير الغطاء الأخضر، وقضت على نحو 22% من المساحات المزروعة.

كلفة التلوث

تُقدَّر الكلفة غير المباشرة التي يتحمّلها الاقتصاد اللبناني جرّاء هذا التلوّث بأكثر من مليار دولار سنويًا، وهي تشكّل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب ضومط كامل.

أمّا الكلفة المباشرة فتصل، بحسب رئيس جمعية بربارة نصّار، هاني نصّار، إلى نحو 120 مليون دولار شهريًا، تدفعها الدولة لمعالجة أمراض السرطان، والتي يُعزى قسم كبير منها إلى التلوّث وسوء العادات الصحية . هذا عدا عن ما تتحملة بقية الجهات الضامنة العامة والخاصة. فاستنشاق الدخان، سواء من السجائر أو من انبعاثات وسائل النقل والمولّدات ومعامل الطاقة، يُعدّ من أبرز العوامل المرتبطة بسرطان المبولة، حيث يحتلّ لبنان المرتبة الأولى في عدد الإصابات نسبةً إلى عدد السكان، ويُصنَّف من بين أكثر الدول انتشارًا لهذا المرض في المنطقة.

التلوث
نصار: التلوث ينعكس زيادة هائلة بأعداد مصابي السرطان

ويرى نصّار أنّ ذلك دليل واضح على تأثير التلوّث الكبير في تفشّي السرطان، في ظلّ عوامل إضافية مثل تلوّث الغذاء بالمبيدات، وضعف القدرة الشرائية الذي يدفع إلى استهلاك أطعمة مصنّعة أو غير طبيعية في كثير من الأحيان، فضلًا عن تلوّث البحر والأنهار والهواء، ما ينعكس سلبًا على جودة الحياة بشكل عام.

ومن الملاحظ أيضًا الانتشار المتزايد لسرطان غشاء الرئة في المناطق المجاورة لمعامل الإسمنت، حيث تعمل هذه المصانع بكامل طاقتها الإنتاجية نتيجة احتكار القطاع ومنع الاستيراد أو فرض رسوم جمركية مرتفعة لحماية الإنتاج المحلي. ومن باب الإشارة، فإن فتح باب استيراد الإسمنت لا يساهم فقط في خفض الأسعار، بل يخفّف أيضًا من التلوّث الناتج عن هذه المعامل، ومن المخاطر البيئية المرتبطة بالمقالع والكسارات وعمليات جرف الجبال لتأمين المواد الأولية.

أهمية تفكيك المركزية والاحتكارات

ما يواجهه لبنان من تدهور بيئي وتكبّد أكلاف مادية لا طائل له من القدرة على تحمّلها، لم يكن ليحصل لو تمّ تفكيك الاحتكارات العامة في الكهرباء والمياه والنفايات، والانتقال إلى نظام لامركزي يقوم على الشراكة مع البلديات في توفير هذه الخدمات الأساسية.

وقد برزت خلال السنوات الماضية تجارب مشجّعة في هذا المضمار، منها مثلًا في بلدة تولا، حيث أسفر تعاون البلدية مع المجتمع المحلي عن توفير الكهرباء للبلدة من الطاقة الشمسية، ما خفّف بشكل كبير من التلوث الناتج عن المولّدات وأراح المواطنين ماديًا. وتتجه العديد من البلديات اليوم بالتعاون مع المنظمات الدولية إلى تخفيف الاعتماد على الوقود الاحفوري لإضاءة شوارعها وتأمين الطاقة لمؤسساتها.

التلوث
عبد الصمد: البلدية تعمل ضمن إطار التوجه والرؤية الهادفة إلى تحويل عماطور إلى بلدة خضراء

ومن التجارب اللافتة حديثًا تبرز تجربة بلدية عماطور في الشوف. فضمن إطار التوجه والرؤية الهادفة إلى تحويل عماطور إلى بلدة خضراء ومستدامة خلال السنوات الخمس المقبلة، نفذت البلدية مشروع إنارة الشوارع بالطاقة الشمسية بالتعاون مع منظمة GIZ بالشراكة مع المركز اللبناني لحفظ الطاقة (LCEC) وبتمويل من الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ)

ومن المتوقع أن يحقق المشروع النتائج التالية:

  • توفير سنوي للطاقة يقدر بحوالي 74 ميغاواط ساعة
  • خفض استهلاك المازوت بنحو 21,000 ليتر سنويا
  • تقليل الانبعاثات بحوالي 48.6 طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا

ويساهم هذا التدخل بحسب رئيس البلدية عبدلله عبد الصمد “في تقليل الاعتماد على المولدات الكهربائية، وخفض الكلفة التشغيلية، وتعزيز استخدام مصادر الطاقة المتجددة، بما يدعم جهود حماية البيئة على المدى الطويل”.

كما نفذت البلدية مشروع تشغيل مضخات مياه الشرب على الطاقة الشمسية. وهو ما يسهم أيضا بتخفيف الاعتماد على المولد لتأمين المياه وضمان توفر المياه بشكل منتظم.ضمن هذا الإطار أيضا،ُ تتحضر بلدية عماطور لتركيب نظام طاقة شمسية تدعم مولد الكهرباء العام، حيث يتوقع عبد الصمد في المرحلة الأولى أن تنخفض فاتورة المازوت إلى ٥٠٪، على أن تُستكمل في مرحلة لاحقة.

كذلك فعلت بعض البلديات على صعيد النفايات، فتعاونت مع جهات مختصة وشركات تعالج النفايات أو أنشأت معامل مشتركة، ما حقق منفعة مادية وخفّف التلوث الناتج عن طمرها العشوائي.

أمّا فيما يتعلق بالمياه، فإن المشكلة كانت لتكون أخفّ بكثير لو لم تُنشأ أربع مؤسسات مركزية على صعيد لبنان للمياه، ألغت معظم الامتيازات والمصالح، وكانت نتيجتها تراجع الخدمة، وازدياد التلوّث نتيجة الجفاف، وتكبيد المواطنين أضعافًا مضاعفة لشراء المياه.

بين طاحونة التلوث المتصاعد والنزيف المالي الممتد من الفاتورة الصحية إلى تدمير الموارد، يغرق الاقتصاد اللبناني في مستنقع الأكلاف الباهظة. ولن يجد لبنان طوق نجاة يعيده إلى خارطة التعافي البيئي والاقتصادي إلا بتفكيك الاحتكارات المركزية وتعميم تجارب الطاقة المتجددة واللامركزية المستدامة.