مع انتهاء حصرية شركة الميدل إيست بعد ثلاثة تمديدات استمرت لنحو نصف قرن، لم يعد هناك مبرر لتمديد ظرفي رابع، أو حتى أخير. وتتفق معظم الآراء على ضرورة فتح الأجواء اللبنانية أمام المنافسة، كمًّا ونوعًا، ولا سيما مع اقتراب تشغيل مطار ثانٍ في القليعات شمال لبنان.
خلال الأجزاء السابقة، المستندة إلى بحث بعنوان «ضرورة إلغاء حصرية “الميدل إيست” لتنويع المخاطر في الحرب وتعزيز السياحة في السلم» الذي أعدّه المعهد اللبناني لدراسات السوق (LIMS)، تبرز العلاقة الوطيدة بين السياسيين وشركة طيران الشرق الأوسط. وهذه العلاقة، التي لم تنحصر بمرحلة معينة أو بأطراف محددين، لطالما شكّلت هاجسًا حقيقيًا لتمديد الحصرية إلى ما لا نهاية. وهو ما لا يؤدي فقط إلى تفويت فرصة الحصول على طيران منخفض الكلفة وزيادة استقطاب الزوار إلى لبنان، بل يقود أيضًا إلى تقويض المنافسة وتكريس الاحتكارات، التي لا يمكن أن تحقق نموًا فعليًا للاقتصاد، مهما كانت ناجحة أو بلغت درجة الارتباط العاطفي بها حدًا كبيرًا.
لا تمديد
يؤكد رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل النيابية، النائب سجيع عطية، أنه لن يكون هناك تمديد إضافي لحصرية شركة الميدل إيست، وأن الباب مفتوح على المنافسة أمام كل راغب، محليًا أو أجنبيًا، في إنشاء شركة طيران لبنانية. ولعل أولى الجهات المهتمة بتأسيس شركة رديفة هي شركة الميدل إيست نفسها، التي تعمل على إطلاق شركة طيران جديدة باسم «فلاي بيروت». وستقدّم هذه الشركة خدمات الطيران منخفض الكلفة، إضافة إلى الرحلات إلى المطارات الثانوية، ولا سيما في الدول الأجنبية. ومن المنتظر أن تبدأ أولى رحلاتها في عام 2027، بحسب ما جرى الإعلان عنه.
فلاي بيروت
عدا عن كون إنشاء «فلاي بيروت» علامة أساسية من علامات انتهاء الحصرية، فهي تخفّض التكاليف على المسافرين، ويمكن الاستفادة من تشغيلها بشكل أساسي في مطار القليعات المزمع تأهيله، يقول عطية. ويؤدي ذلك إلى تحقيق فوائد كبيرة للاقتصاد والمسافرين على حد سواء، ويوفر نمطين من الخدمة: الأول تقدّمه شركة الميدل إيست ويتمثل في الخدمات النوعية، والثاني منخفض التكلفة. ولا يقتصر هذا النوع من الخدمات، بحسب عطية، على «فلاي بيروت» فقط، بل قد يشمل أيضًا شركات أجنبية أخرى مهتمة، مثل «سكاي لاونج»، التي يُفترض أن تعمل بشكل أساسي من مطار القليعات، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد.
وعما إذا كان من شأن إنشاء شركات طيران أخرى منافسة أن يؤدي إلى تخفيض قيمة الميدل إيست، وبالتالي إلى تراجع الإيرادات من بيعها أو تخصيصها في إطار خطة التعويض على المودعين، ينفي عطية هذا الطرح بشكل مزدوج. فبرأيه، الشركة التابعة لمصرف لبنان لن تُباع ولن تتراجع قيمتها، بل على العكس، فإن المنافسة ستدفعها إلى مزيد من التطوير، ما يرفع قيمتها بدل أن يخفضها.
هواجس تترافق مع انتهاء الحصرية
إيجابيات عدم تمديد الحصرية وفتح السوق أمام المنافسة تقابلها مخاوف المعنيين من أمرين أساسيين:
الأول يتمثل في تحوّل احتكار قطاع الطيران من احتكار أحادي (Monopoly) إلى احتكار ثنائي (Duopoly)، خصوصًا إذا اقتصر الأمر على إنشاء شركة «فلاي بيروت» بصفتها ذراعًا منخفض الكلفة للميدل إيست. كما أن الشركة الأخرى «سكاي لاونج» تربطها علاقة وثيقة بالميدل إيست، وقد ربحت، إلى جانب ذراع الميدل إيست MEAS، مناقصة إعادة تأهيل وتشغيل مطار القليعات.
أما الأمر الثاني، فهو ما يثيره المحامي الدكتور جاد طعمة، عما إذا كان ينبغي أن يتضمن دفتر شروط إنشاء شركة جديدة أو المشاكرة بمناقصة عمومية معيارًا يتعلق بالسجل القضائي للشركة، أو وجود دعاوى غير محسومة بحقها تتصل بالمال العام.
تعودنا في لبنان أنه عندما نُنهي مشكلة، تظهر مشكلات جديدة، ومعظمها مرتبط بالحوكمة ومحاولات الالتفاف على القوانين للحفاظ على المكتسبات. فهل تنتهي مشكلة احتكار الطيران مع انتهاء الحصرية، أم تتوالد مشكلات جديدة؟ سؤال برسم الأيام المقبلة.
