ننظر إلى الخلف، فلا نرى في الاقتصاد اللبناني إلا احتكارات على مدّ العين والنظر. معظمها مستتر تحت جنح ظلام القطاع العام، وبعضها متلحّف بالحماية الرسمية والامتيازات الحصرية التي كرّستها الحكومات المتعاقبة، وفي مقدمتها يبرز احتكار الإسمنت.
في الوقت الذي يُفترض أن يبلغ فيه سعر طن الإسمنت نحو 69 دولاراً وفق الأسعار الرسمية، يتراوح السعر المتداول فعلياً في السوق بين 250 و300 دولار للطن، بحسب شكاوى المستهلكين التي تلقتها جمعية المستهلك، وأكدتها جولاتها الميدانية.
فتش عن الاحتكار
السبب وراء ارتفاع الأسعار يعود ببساطة إلى تراجع العرض عن الطلب. لكن، خلافاً لتحجج الشركات المنتجة بعدم منحها التراخيص اللازمة لاستثمار مقالعها، واضطرار واحدة من الشركات الثلاث، وهي إسمنت السبع، إلى وقف عمليات تصنيع وتسليم الإسمنت، فإن تراجع العرض هو نتيجة مباشرة لـ الاحتكار. ولم يكن السوق ليشعر بأي نقص في الإمدادات لولا القيود المفروضة على الاستيراد من الخارج.
يوجد في لبنان ثلاث شركات لتصنيع الإسمنت (الترابة السوداء)، هي: هولسيم – لافارج، وشركة الترابة الوطنية – السبع، وشركة سبلين، بطاقة إنتاجية قصوى تصل إلى نحو 18 ألف طن يومياً. وهذا الإنتاج، الذي يُفترض أن يكفي السوق اللبنانية من الناحية النظرية أو أن يؤمّن عرضاً وافراً، يقل عملياً عن هذا الرقم بكثير. فشركة هولسيم، مثلاً، التي تبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 6300 طن يومياً، لم تنتج خلال السنوات الماضية، ولا سيما عقب الانهيار الاقتصادي، أكثر من 3000 طن يومياً، أي أقل من 50% من قدرتها الفعلية. وتعزو مصادر هذا التراجع إلى القيود المفروضة على استثمار المقالع والكسارات لاستخراج المواد الأولية، وارتفاع كلفة الطاقة، وزيادة الأكلاف الإنتاجية. فيما قد يكون السبب الأساسي إبقاء السوق “ناقص الإمداد” لإبقاء الأسعار مرتفعة، من أجل تحقيق الأرباح على حد وصف آدم سميث لطريقة عمل الاحتكارات.
التحجج بوقف العمل بالمقالع والكسارات
في شباط 2023، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بمنع الاستخراج لمدة ثلاث سنوات، إلا أنه لم يلبث أن تراجع عنه بعد نحو عام، وتحديداً في جلسة 19 آذار، حيث أجاز لشركات الترابة الثلاث استخراج المواد الأولية لمدة سنة. ومع تشكيل الحكومة الجديدة، اتُّخذ قرار بوقف العمل بالتراخيص الممنوحة سابقاً من حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في أيار 2025، لكن هذا القرار لم يصمد أكثر من 11 شهراً، إذ أُعيد التأكيد على قرار حكومي صدر عام 1997، وسمح عملياً لشركات الإسمنت بمواصلة استثمار مقالعها بمعزل عن أي دراسة لأثرها البيئي.
في مقابل عراقيل الإنتاج التي تتحجج بها الشركات، عاد الطلب إلى الارتفاع منذ عام 2023 نتيجة الحاجة إلى ترميم وإعادة بناء عشرات آلاف الأبنية والمنشآت التي تضررت بشكل جزئي أو كلي جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ ذلك الوقت. هذا بالإضافة إلى زيادة الطلب في القطاع العقاري، ما حفّز بعض المطورين على استئناف نشاطهم التجاري.
عوائق الاستيراد
ترافق هذا الواقع مع استمرار اشتراط الحصول على إجازة خاصة من الحكومة لاستيراد الإسمنت الجاهز من الخارج، وإذا ما مُنحت الإجازة فتُفرض رسوم جمركية تصل إلى 60%. وعلى الرغم من إمكانية المستوردين تحقيق أرباح من الاستيراد، كون متوسط سعر طن الترابة في الدول المجاورة يصل إلى 25 دولاراً مقارنة بـ300 دولار محلياً، فإن الحصول على الرخصة أمر شبه مستحيل، بحسب أوساط معنية. وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة ووصول سعر الإسمنت إلى أكثر من 300 دولار للطن.
محاولات تخفيض أسعار الإسمنت تكلف مليارات الدولارات
بدلاً من معالجة تراجع الإنتاج المحلي بفتح باب الاستيراد من الخارج، أعمت القرارات الوزارية الواقع من خلال الترخيص مجدداً لاستثمار المقالع والكسارات. فنصّ القرار رقم 16 الصادر عن مجلس الوزراء في 9 نيسان الماضي على السماح للشركات باستثمار المقالع الملاصقة لمعاملها لمدة 10 سنوات، لتأمين الإسمنت وضمان استمرار العمل في المصانع. فيما لم تتوافق التعديلات التي وضعتها وزارة البيئة بعد أيام قليلة مع المخطط التوجيهي السابق لتنظيم القطاع، بل أتت متوافقة مع القرار رقم 16.
صحيح إن القرار بإعادة فتح المقالع والكسارات قد يخفض سعر الإسمنت على المستهلكين، لكنه يحمل الاقتصاد فاتورة أعلى بما لا يُقاس. فهو يفوّت على الخزينة العامة مبالغ بمئات ملايين الدولارات، إذ لم يشترط القرار تسديد المبالغ المستحقة في ذمة الشركات، والتي كانت وزارة البيئة قدّرتها، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خلال عامي 2022 و2023، بنحو 370.2 مليون دولار أميركي، أي ما يصل إلى 10% من مجموع المبالغ المتوجبة على مجمل المستثمرين عن الفترة المذكورة، والتي تبلغ نحو 3.7 مليارات دولار.
تُظهر المسوحات التي أُنجزت خلال الفترة الماضية أنه في سبعة مواقع تستخدمها معامل الترابة على مساحة مليونين و720 ألف متر مربع، جرى استخراج نحو 30 مليون متر مكعب من الصخور. ويقدّر رئيس لجنة كفرحزير البيئية، جورج عيناتي، أن كل طن من الإسمنت يكلّف الشعب اللبناني مليون دولار من الخسائر، إذ يصدر عن كل طن منتج طن مماثل من الغبار العادي والمجهري، وثاني أكسيد الكربون، وبقية الغازات السامة والكبريت والزئبق. ويسبب هذا التلوث، المترافق مع إزالة الجبال والحفر المستمر، تغيّرات مناخية تنعكس، برأي عيناتي، تراجعاً في المتساقطات. وإن هطلت الأمطار، فإنها تكون حمضية، ما يؤدي إلى هلاك المحاصيل وتلويث المياه الجوفية.
إهلاك القطاع الزراعي
تشير الإحصاءات إلى فقدان منطقة الكورة، حيث يوجد أكبر معملي إسمنت في لبنان، نحو 10 ملايين شجرة تين ولوز وعنب وزيتون، ما أفقد أكثر من 20 ألف مزارع كوراني مورداً كانوا يعتاشون منه ويساعدهم على الصمود في مناطقهم بعيداً عن النزوح إلى العاصمة أو الهجرة إلى الخارج.
إضافة إلى ذلك، تفاقم مرض عين الطاووس، وهو من أخطر الأمراض التي تصيب أشجار الزيتون، بسبب محافر التراب الأحمر في وسط الكورة التي تحولت إلى بحيرات رفعت نسبة الرطوبة، ما أدى إلى انتشار هذا المرض الذي يقضي على أشجار الزيتون ويفوّت على الأهالي مواسم الزيت التي لطالما كانت مصدراً أساسياً أو مساعداً للعيش.
ولعل من أخطر تداعيات وجود معامل الإسمنت وقوع أحدها، المتمثل بترابة السبع، فوق حوض مياه الجرادي الجوفية المتدفقة من تنورين. هذا الحوض، الذي تنبثق منه ينابيع مياه عذبة تصب في البحر بمعدل ثلاثة ملايين متر مكعب في أواخر الصيف، وستة ملايين متر مكعب في أواسط الشتاء، كان هناك مشروع لتعبئتها وتصديرها إلى الدول العربية واستيراد الإسمنت والبحص والرمل من عائداتها. إلا أن المعامل، بحسب عيناتي، قضت على هذه الفرصة وعرّضت المياه للتلوث بمياه الصرف الصناعي والمعادن الثقيلة. والأمر لم يقف عند هذا الحد، برأي عيناتي، بل وصل إلى الاستيلاء على هذه المياه وضخ قسم منها إلى معمل سلعاتا للأسمدة.
يُضاف إلى هذه الأضرار انتشار مرض السرطان بشكل كبير، وتركّز الإصابات بصورة أساسية في المعدة والرئتين والجلد، وهي كلها إصابات ناتجة، بحسب عيناتي، عن التلوث بمعامل الإسمنت وغبار المقالع والكسارات. ومما يفاقم المشكلة حرق الفحم الحجري المرتفع الكبريت، الذي يحوّل المناطق إلى ما يشبه المقابر الجماعية.
كما يبرز ملف الاعتداء على الأملاك العامة، إذ يوجد ادعاء من النيابة العامة المالية على شركتي الترابة بسبب تهربهما من الرسوم البلدية المحددة بـ12 دولاراً عن كل متر، وبسبب التعدي على الأملاك العامة من طرق ووديان وينابيع وخطوط نقل كهرباء جرى الاعتداء عليها من دون أن يُرفع عنها الضرر أو تُسوّى أوضاعها.
رغم كل تلك الأضرار، تتهرب شركات الترابة من دفع الرسوم البلدية ورسوم تشويه البيئة، وتبيع الإسمنت للشعب اللبناني بأعلى سعر في العالم، رغم أنه الأقل كلفة بسبب التجاوزات المالية والمخالفات البيئية المجانية. ومن هنا، فإن فتح باب استيراد الإسمنت يصبح ضرورة، كما تفعل سوريا، بدلاً من الاستمرار في تشويه البيئة والتسبب بالأمراض والتلوث والإضرار بالمناظر الطبيعية.
