ما إن بدأت أصوات المدافع تخفت، حتى عادت صرخات المطالبات الداخلية إلى الارتفاع. وكان موظفو «أوجيرو» أول المبادرين إلى إعلان الإضراب العام الشامل مطلع هذا الأسبوع، احتجاجاً على تأجيل منحهم حقوقهم التي كفلتها المراسيم منذ سنوات. وليس مستبعداً أن «تكرّ سبّحة المطالبات» من مختلف القطاعات العامة والخاصة، احتجاجاً على هزالة الرواتب وضعف التقديمات، بالتوازي مع تفاقم الحاجات وارتفاع الأسعار.
إنها الحلقة المفرغة التي يدور فيها البلد منذ سنوات: اقتصاد مولّد للتضخم، يستتبع زيادات في الإنفاق التشغيلي العام، فيما تُموَّل هذه الزيادات بالتضخم نفسه. وهكذا دواليك، نعود في كل مرة إلى نقطة الصفر. في المرة الوحيدة التي حاولت فيها الإدارة المالية كسر هذه الحلقة، ربحت معركة لجم التضخم، وضمان عدم تدهور سعر الصرف، وحماية الموازنة من العجز، لكنها خسرت حرب الإصلاح على المدى البعيد.
ربحت معركة وخسرت حربًا
صحيح أنها انتقلت من عشوائية الصرف والاقتراض عبر السلف من مصرف لبنان إلى تعزيز الواردات و«كمش اليد» في الإنفاق، إلا أنها أطلقت وعوداً مؤجلة بزيادات مالية؛ مرة من خارج الموازنة عند إقرار الرواتب الست الإضافية لموظفي القطاع العام، ومرة أخرى عبر المراسيم التشريعية، كما هي حال موظفي «أوجيرو».
وعود لن تضطر الدولة إلى الإيفاء بها عاجلاً إن لم يكن آجلاً فحسب، لكنها ستفتح عليها 320 ألف باب من موظفي القطاع العام، سواء في الخدمة الفعلية أو من المتعاقدين. وسيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تأمين إيرادات جديدة لتغطية النفقات المستجدة، بعدما استُنزف الشعب اللبناني حتى «قرش الأرملة» بفعل الانهيار والانفجار والحروب.
ماذا حدث مع موظفي أوجيرو
في نيسان 2024، عدّلت الحكومة، بموجب المرسوم رقم 13164، الحد الأدنى الرسمي للأجور للمستخدمين والعمال الخاضعين لقانون العمل، وأتاحت استرداد بعض الحقوق التي خسرها الموظفون من رواتبهم خلال الأزمة. إلا أن تطبيق هذا المرسوم بقي معلقاً طوال عام 2024 بسبب ظروف الحرب التي دخل فيها لبنان، ما أدى إلى تراكم الحقوق والمستحقات لمدة تسعة أشهر.
وفي عام 2025، ومع تغيّر الحكومة وآلية العمل برمتها، صدر قرار في تشرين الثاني وأُحيل إلى مجلس النواب لفتح اعتمادات لتغطية الفروقات المالية. وقد أُرسل الملف إلى البرلمان في نهاية العام الماضي. وعلى الرغم من أن مجلس النواب كان يناقش الموازنة العامة، فإن الملف وُضع جانباً ولم يُدرج ضمنها، في حين كان من المفترض فتح الاعتمادات في موازنة عام 2026 من احتياطي الموازنة، وفق ما تؤكد رئيسة نقابة موظفي «أوجيرو» إميلي نصار.
وتضيف نصار أن ذلك لم يحصل بسبب الإشكالات التي رافقت إقرار الموازنة وما تذرّع به النواب من مبررات. وتشير إلى أن الطرح اليوم يقوم على إلغاء القرار السابق وإعادة النظر في الآلية برمتها، بدلاً من سحب الملف وإعادة إرساله إلى مجلس النواب.
الهروب إلى الأمام
خلال هذين العامين، تغيّرت أشياء كثيرة. فهناك موظفون أحيلوا إلى التقاعد، وآخرون استشهدوا مع عائلاتهم، فيما خسر عدد كبير منهم منازلهم ونزحوا، واضطروا إلى استئجار مساكن بأسعار مرتفعة. كما ارتفعت الأسعار بشكل متواصل، فيما بقيت هذه الحقوق معلّقة. وبرأي نصار، فإن توقيت المطالبة يأتي في ظل كل هذه التطورات التي لم تعد تحتمل. وتقول: «لقد سلكنا في النقابة كل الطرق القانونية، وطرقنا كل الأبواب الإدارية بصبر ونوايا طيبة، تماشياً مع الأصول، تجنباً للوصول إلى هذه اللحظة التي فُرضت علينا فرضاً».
ستنتهي الحرب بأكلاف هائلة، تُقدَّر في أفضل التوقعات بنحو 30 مليار دولار، تُضاف إلى دين عام يتجاوز 130 مليار دولار. ما يعني أن لبنان سيكون أمام دين عام اسمي يقارب 590% من الناتج المحلي، في حين أن المطلوب ألا يتجاوز 100%. وعليه، فإن الحل لا يكمن في إقرار المزيد من الوعود بزيادات الرواتب والأجور المؤجلة، ولا في اعتماد إيرادات جديدة لتغطية أي نفقات مستجدة، بل في إصلاح هيكلي للقطاع العام. فمن دون إصلاح جديّ يخفّض أعداد الموظفين، ويلغي المؤسسات التي لا مبرر لوجودها، ويخصخص مؤسسات أخرى متهالكة ومكلفة وذات إنتاجية ضعيفة، فإن النزيف لن يتوقف.
ولن يقتصر الأمر على عدم القدرة على تلبية حقوق الموظفين أو تهجير الكفاءات وزيادة مظاهر الضعف في القطاع العام، بل سيفاقم الأكلاف على مؤسسات القطاع الخاص الشرعية، ويضعف دافعي الضرائب، ويقوّض القدرة على الصمود.
الأولوية اليوم هي لإصلاح القطاع العام، بحيث تتحسن رواتب من يبقى من الكفاءات بشكل تلقائي. وهذه هي البداية الحقيقية.
