فائض ميزان المدفوعات: استقرار ظاهري يخفي نمط “اليويو” الاقتصادي

ميزان المدفوعات

شكّل ميزان المدفوعات خلال الأعوام الماضية محور اهتمام صنّاع القرار. فالعجز في هذا الميزان يعني، باختصار، أن الدولارات التي تخرج من البلد تفوق تلك التي تدخل إليه، والعكس صحيح. ومما فاقم أهمية متابعته والوقوف عند أرقامه، تزامنه تاريخيا مع عجز في الموازنة، ما أدى إلى ما يُعرف بـ”العجز التوأم”، الذي يُعدّ استمرارُه أخطرَ ما يواجه الاستقرارين النقدي والاقتصادي.

في نيسان الماضي، عاد ميزان المدفوعات إلى تحقيق فائض على أساس شهري، بعد انتكاسة شهدها في آذار، متأثرًا بانطلاق حرب 2026 محليًا وإقليميًا. واستنادًا إلى الإحصاءات المصرفية، سجّل الميزان فائضًا حقيقيًا بقيمة 229 مليون دولار في نيسان، مقارنة بعجز كبير بلغ 410 ملايين دولار في الشهر السابق.

فائض خجول

انعكست هذه الانفراجة الشهرية في ميزان المدفوعات على نتائج الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، إذ ارتفع الفائض التراكمي إلى 2.5 مليار دولار. ومع ذلك، يمكن التوقف عند نقطتين أساسيتين:

  • الأولى أن الجزء الأكبر من التحسن المسجل لا يعكس تدفقات مالية فعلية من الخارج، بل يعود إلى إعادة تقييم احتياطي الذهب في مصرف لبنان نتيجة ارتفاع أسعاره العالمية، ما يعني أن التحسن الحقيقي في ميزان المدفوعات يبقى محدودًا ولا يتجاوز نحو 200 مليون دولار.
  • الثانية أن الفائض المحقق حتى نهاية نيسان يقل بنحو 68 في المئة عن الفائض المسجل خلال الفترة نفسها من العام الماضي، والذي بلغ 7 مليارات و843 مليون دولار.

بين الحساب الجاري والمالي

داخل ميزان المدفوعات، الذي يتألف من الحساب الجاري والحساب المالي وحساب رأس المال، يظهر تفاعل بين اتجاهين أساسيين: فمن جهة، يضغط الحساب الجاري سلبًا نتيجة العجز الكبير في الميزان التجاري الذي تجاوز 7 مليارات دولار حتى نيسان، فيما يسهم الحساب المالي في الحد من هذا التراجع عبر تسجيل تدفقات مالية موجبة.

إلا أن جانبًا من التحسن المُسجل في الأرقام لا يعود إلى تدفقات فعلية بالكامل، بل يتأثر بعوامل محاسبية مرتبطة بإعادة تقييم احتياطي الذهب لدى مصرف لبنان، وهو ما ينعكس على صافي الأصول الأجنبية دون أن يشكّل تدفقًا فعليًا في ميزان المدفوعات.

أما التدفقات المرتبطة بالقطاع المصرفي، بما فيها التغير في صافي الأصول الأجنبية للمصارف التجارية، فما زالت محدودة التأثير في ظل استمرار الأزمة المصرفية. وتُظهر الأرقام أن إجمالي سيولة العملات الأجنبية لدى المصارف التجارية ارتفع منذ بداية العام بنحو 500 مليون دولار، ليصل إلى 7.9 مليارات دولار في نيسان، ويتوزع هذا المبلغ على:

– 800 مليون دولار في خزائن المصارف التجارية.

– 5.5 مليارات دولار أرصدة لدى المصارف المراسلة.

– 1.5 مليار دولار محفظة أوراق مالية لغير المقيمين.

اقتصاد اليويو

تُظهر الأرقام أن الاقتصاد اللبناني يتأرجح بشكل دائم وسريع بين تحسّن وانتعاش مؤقت، يعقبه تراجع أو انكماش. وهذه الحالة، المعروفة بـ اقتصاد اليويو (Yo-Yo Economy)، تستدعي إصلاحات بنيوية عميقة للخروج منها والانتقال نحو مسار نمو مستقر ومستدام. ويتطلب ذلك مجموعة من الركائز الأساسية، أبرزها:

  • الاستمرار في تحقيق فائض في المالية العامة وضبط الإنفاق العام، مع ضمان عدم تبديد هذا الفائض، باعتبار أن استدامة التوازن المالي تشكّل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي.
  • تعزيز تدفّق التحويلات والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما لا يتحقق إلا في ظل إصلاحات حقيقية، وبيئة تنافسية، وتسهيلات استثمارية، وإصلاح النظام الضريبي، إضافة إلى معالجة اختلالات القطاعات الخدمية الأساسية، بما فيها الكهرباء والاتصالات والمياه والطيران، التي أدّى احتكارها إلى ارتفاع الكلفة وتراجع الجودة.
  • استعادة الثقة بالنظام المصرفي عبر إنشاء مصارف سليمة قادرة على إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية من خلال استقطاب الودائع وتمويل المشاريع. ويتطلب ذلك إقرار قانون الفجوة المالية، وإعادة تعديل قانون إعادة هيكلة المصارف، والاتفاق على توزيع عادل للخسائر، بما يتيح إعادة هيكلة فعلية وسريعة للقطاع المصرفي.
  • استعادة الثقة بالنظام النقدي عبر اعتماد إطار نقدي واضح ومستقر، يمكن أن يشمل خيار مجلس النقد (Currency Board) كأحد النماذج الممكنة لتعزيز الاستقرار النقدي وترسيخ الثقة بسعر الصرف.
  • تعزيز استقلالية القضاء ونزاهته وعدالته بما يكرّس مبدأ المحاسبة ويمنع الإفلات من العقاب.
  • إلغاء البيروقراطية في الإدارات العامة وإعادة هيكلتها، واعتماد التحول الرقمي، وتفعيل الشباك الموحد، بما يساهم في تسريع المعاملات وتخفيض كلفتها.
  • معالجة الاقتصاد النقدي (Cash Economy)، والعمل على إخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، بما يعزز الشفافية المالية ويحد من المخاطر التنظيمية.
  • إعادة هيكلة الدين العام وتسوية الالتزامات الدولية، وفي مقدمتها سندات اليوروبوندز (Eurobonds)، بما يساهم في تحسين التصنيف الائتماني للبنان وإعادة فتح الباب أمام الأسواق المالية العالمية.
  • ضمان الاستقرار السياسي والأمني ومنع تكرار الحروب والاضطرابات، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في طرد الاستثمارات وإضعاف الثقة بالاقتصاد.

من دون تحقيق الإصلاحات البنيوية، سيبقى الاقتصاد يراوح مكانه، إذ تتعاقب فترات الازدهار مع دورات من الانكماش، في نمط يُعرف اقتصاديًا بـ دورة الازدهار والانكماش (Boom–Bust Cycle).

من دون تحقيق الإصلاحات البنيوية فإن الاقتصاد سيبقى يراوح مكانه. كل دورة ازدهار تؤدي  إلى تدفقات نقدية وارتفاع في النشاط الاقتصادي، لا سيما في قطاعات مثل السياحة والاستهلاك والعقارات، ما ينعكس ارتفاعًا في الأسعار وازديادًا في الضغوط التضخمية. ثم ما تلبث هذه الدورة أن تنعكس، فيحدث انكماش اقتصادي يؤدي إلى تراجع القدرات الشرائية وتباطؤ النشاط، فيما تبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا بسبب ضعف القدرة على التعديل السريع. ويُعد هذا النمط من أكثر التحديات خطورة على الاقتصاد، إذ يعكس غياب النمو المستدام ويؤدي إلى عدم استقرار طويل الأمد يعيق أي مسار إصلاحي حقيقي.