وهم إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان (3/4) سوء الإدارة جرّ خيوط العتمة.. من التقنين إلى الظلام الدامس

مؤسسة كهرباء لبنان

لعلّ أكثر ما يعبّر عن فقدان الأمل بإمكانية إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان هو المثل الشعبي: “لو بدا تشتي، غيّمت.” فمنذ أكثر من عقدين من الزمن، أزاح تقاطع الإهمال مع الفساد سحب الخير عن فضاء الكهرباء الواسع، فحلّ القحط الطاقوي. ومع كثرة محاولات التصدي له، استذوق القيّمون على القطاع “حلاوة” الحلول البديلة المؤقتة؛ فتارةً تُلزَم المعامل بعقود مجحفة، وطورًا تُلزَم الجباية، ودائمًا يُشترى الفيول عبر صفقات ملغومة، إلى أن انتهى الأمر باستجلاب البواخر التي جثمت على صدر القطاع أكثر من سبع سنوات. ولم تكن هذه التركيبات لتمرّ لولا سوء الإدارة، واكتملت بتعبئة الجيوب على حساب إفراغ جيوب المواطنين والاقتصاد من الكهرباء.

في 15 نيسان 2002، نعم لبنان، بطوله وعرضه، بـ كهرباء 24/24. كانت مجموعات الإنتاج في المعامل تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية: خمس مجموعات في معمل الجية، وأربع مجموعات في الذوق، ومجموعتان في صور، ومجموعتان في بعلبك، ومجموعة واحدة في الحريشة، وثلاث مجموعات في دير عمار، وثلاث مجموعات في الزهراني.

بداية التراجع

هذه المرحلة النادرة، التي قد تكون منسية أو غير معلومة لدى جيل الألفية الثانية، لم تدم طويلًا، بل إنها كانت قصيرة جدًا. فما هي إلا ثلاثة أشهر حتى عاد التقنين ليطل برأسه تدريجيًا، مع منتصف تموز من العام نفسه، بالتوازي مع متغيرين أساسيين:

  • الأول: تقني، ويتمثل في ارتفاع الطلب على الكهرباء خلال فصل الصيف، مع قدوم السياح والمغتربين، وزيادة الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف.
  • الثاني: غير تقني، ويتمثل في إبعاد المدير العام السابق، جورج معوض، الذي حقق هذا الإنجاز، ووضعه في تصرف رئاسة مجلس الوزراء بعد رفضه تمرير الصفقات للمتنفذين، وتعيين مهندس زراعي مكانه على رأس المؤسسة.

الوصول إلى العتمة الشاملة

أهمل مجلس الإدارة الجديد لـ مؤسسة كهرباء لبنان صيانة المعامل لأسباب عدة، أبرزها ضعف الخبرة وغياب الرؤية بعيدة المدى. وأخذ الإنتاج يتراجع تدريجيًا حتى كاد ينعدم عام 2012، مع توقف معظم وحدات الإنتاج في مختلف المعامل. عندها، برز الحل المؤقت، تطبيقًا لـ ورقة إصلاح قطاع الكهرباء التي وُضعت عام 2010، فتمت الاستعانة بالبواخر ريثما تُصلَّح المعامل وتُعاد إلى الخدمة.

ككل شيء يبدأ مؤقتًا في لبنان ثم يتحول إلى دائم، “بقيت البواخر سبع سنوات، في حين أن مدة الاستعانة بها، وفق الخطة، لم يكن يفترض أن تتجاوز ستة أشهر لكل معمل، وبحد أقصى عامًا واحدًا، لتعويض التغذية ريثما تُصلَّح المعامل الساحلية، ولاسيما في الذوق والجية”، يقول المدير العام السابق لمؤسسة كهرباء لبنان، المهندس جورج معوض.

الكهرباء
معوض: سوء الإدارة حول الكهرباء من 24/24 إلى العتمة الشاملة

“مع ذلك، لم يتم إصلاح المعامل”، يضيف معوض، “فانهارت تباعًا الوحدات المتبقية التي كانت لا تزال تعمل، حتى وصلنا مؤخرًا إلى توقف جميع معامل إنتاج الكهرباء كليًا، باستثناء معملي دير عمار والزهراني، اللذين يعملان بنصف طاقتهما الإنتاجية، وينتجان معًا نحو 600 ميغاواط.”

سوء الإدارة

خلال هذه السنوات الطويلة، تجلّى سوء الإدارة بأبشع صوره. آلاف المهندسين والموظفين في المعامل كانوا يتقاضون رواتبهم، فيما تراجع حجم العمل إلى حد كبير. وفي المقابل، كانت الدولة تشتري الفيول عبر سلف بالعملة الأجنبية، وعلى حساب أموال المودعين، لتشغيل المتعهدين. والمتعهدون بدورهم يعملون وفق مبدأ: “من غير كيسك يا مبذر، بذر.” فلا يملكون المعامل ولا المعدات، بل يقتصر دورهم على تشغيلها بالفيول الذي تستورده الدولة، وبقطع الغيار التي تؤمنها. ومع مرور الوقت، توقفت كليا أو جزئيا، وأصبحت أعمال الصيانة شماعة تُعلَّق عليها الانقطاعات المفاجئة في التغذية، من دون سابق إنذار. وبينما حقق المتعهدون أرباحًا، تكبّد الاقتصاد خسائر فادحة.

 

تشتيت المسؤوليات

أغرب ما في قصة مؤسسة كهرباء لبنان، التي وصلت إلى مرحلة العتمة الشاملة (Blackout) بعد أن كلّفت الخزينة أكثر من 40 مليار دولار، لم يكن غياب المحاسبة، بل انعدام المساءلة. فلا التفتيش المركزي فتح تحقيقًا، ولا مجلس النواب مارس دوره الرقابي، ولا الحكومات المتعاقبة اعترضت أو حاسبت.

لم يُوقَف أي مسؤول أو معني بالمشكلة، بل على العكس، كوفئوا بتمديد ولاياتهم. فقد جرى التجديد دوريًا لرئيس مجلس إدارة المؤسسة، كمال حايك، المعيّن منذ عام 2002. وفي كل مرة كان يعيّن فيها مجلس الوزراء مجلس إدارة جديدًا، كان يترك منصب المدير العام، ليُعاد انتخاب حايك رئيسًا للمجلس من جديد، وهكذا دواليك، وصولًا إلى التعيين الأخير في شباط من هذا العام.

خلال السنوات الطويلة، استذاق القيّمون على القطاع طعم الصفقات البعيدة عن أعين الرقابة والمحاسبة، فـ”لحسوا” منها ولم يشبعوا. وعلى الرغم من قحطها، ما زالت الكهرباء توفر صفقات بملايين الدولارات، سواء في شراء الفيول، أو صيانة المعامل، أو أعمال الجباية أو السرقة من المخازن. وطالما بقي الواقع على هذا الحال، ستبقى الكهرباء متوقفة، ولا أمل في عودتها.