يُتَّهَم لبنان بالشراهة المفتوحة على الاستهلاك، المتأتي بشكل أساسي من الاستيراد، كائنًا ما كانت الظروف التي يمر بها. وملاحقته بهذه التهمة، التي أدت وتؤدي، بحسب مطلقيها، إلى اختلال اقتصادي ونزف في ميزان المدفوعات و التجارة الخارجية، تحولت إلى إدانة دامغة حتى قبل إثبات البراءة. فالتيار الشعبوي لا يؤمن بالقاعدة القضائية الأولى في العالم، بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، بل يستعجل صوغ الأحكام. لماذا؟ لأنها الطريق الأسهل لتبرير العجز الفاضح في الموازنات العامة، الذي كان السبب وراء كل الاختلالات الاقتصادية.
عندما حطت الحرب أوزارها مع نهاية شباط، سوف يخرج، بعد فترة، تيار يُعيّر لبنان بالعجز الفاضح في الميزان التجاري. ولسوف يطالب بفرض قيود على الاستيراد، ورفع الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة. ولن تقف ترّهاته عند حد التأثير في الطلب، بل ستمتد إلى العرض، عبر الدعوة إلى حماية الإنتاج المحلي ودعمه ليكون بديلًا من المستورد.
الواردات تتراجع خلال الحرب
المفارقة أن هذه النظرية لم يثبت خطؤها من حيث المبدأ فحسب، بل في الأرقام أيضًا. فبحسب آخر البيانات الصادرة عن الجمارك، تراجعت الواردات، التي تعكس منحنى الطلب، بنسبة 5.8% خلال شهري آذار ونيسان مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك على الرغم من الأثر الإيجابي لارتفاع التضخم على قيمتها الاسمية.
لكن كيف تراجعت الواردات فيما حقق الميزان التجاري عجزًا تاريخيًا ارتفع بنسبة 19% حتى نهاية نيسان، ليبلغ 6.1 مليارات دولار؟
في الواقع، كان شهرا كانون الثاني وشباط المحرك الرئيس لارتفاع الواردات، إذ نما الاستيراد خلالهما بنسبة 32.3% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. وأدى هذا الارتفاع إلى زيادة قيمة البضائع المستوردة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 إلى 7 مليارات و36 مليون دولار، بزيادة نسبتها 11.3% على أساس سنوي.
الصين تتصدر التوريد إلى لبنان
وعلى صعيد الواردات إلى لبنان بحسب أبرز الدول المصدّرة، سجلت الواردات من الصين، التي تستحوذ على 12.3% من إجمالي الواردات، زيادة سنوية بلغت 29.0% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025. كما ارتفعت الواردات من سويسرا، التي تمثل 8.7% من الإجمالي، بنسبة 50.4%، في حين تراجعت الواردات من اليونان، التي تستحوذ على 7.2% من إجمالي الواردات، بنسبة 15.0% خلال الفترة نفسها.
في المقابل، انخفضت الواردات من الإمارات العربية المتحدة، التي تمثل 6.8% من الإجمالي، بنسبة 3.3%، كما تراجعت الواردات من مصر، التي تستحوذ على 6.7% من الواردات، بنسبة 6.7% على أساس سنوي. وفي الوقت نفسه، تضاعفت الواردات من المملكة العربية السعودية، التي تمثل 6.5% من إجمالي الواردات، خلال الفترة نفسها.
الصادرات تتراجع أيضا
في المقابل، تراجعت الصادرات بنسبة 21.64% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، لتنخفض إلى 938 مليون دولار، متأثرة بظروف الحرب خلال شهري آذار ونيسان.
وعلى المنوال نفسه، انخفضت الصادرات بنسبة 10.2% على أساس سنوي خلال شهري آذار ونيسان. وبالنظر إلى أداء أبرز الصادرات اللبنانية خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، يتبين أن صادرات المجوهرات، التي تشكل نحو 24% من إجمالي الصادرات، تراجعت بنسبة 51% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. كما انخفضت صادرات المعادن والمنتجات المعدنية، التي تمثل 17.7% من إجمالي الصادرات، بنسبة 13.1% على أساس سنوي، فيما تراجعت صادرات المنتجات الغذائية، التي تستحوذ على 14.4% من الإجمالي، بنسبة 1.5%.
في المقابل، ارتفعت صادرات المعدات والمنتجات الكهربائية، التي تمثل 12% من إجمالي الصادرات، بنسبة 36.6% على أساس سنوي خلال الفترة نفسها. في حين سجلت صادرات المنتجات الكيميائية، التي تشكل 10.9% من الإجمالي، استقرارًا على أساس سنوي، بينما ارتفعت صادرات المنتجات النباتية، التي تمثل 6.1% من الصادرات، بنسبة 14% خلال الفترة المذكورة.
الدول الأكثر استيرادًا من لبنان
جاء التراجع في الصادرات، ولا سيما المجوهرات والمعادن الثمينة، نتيجة انخفاض الطلب من الدول الأكثر استيرادًا من لبنان، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة وسويسرا. كما قد يكون هذا التراجع ناجمًا عن ارتفاع أكلاف الشحن والاضطرابات اللوجستية التي رافقت الحرب، فضلًا عن أن جانبًا كبيرًا من هذه الصادرات يندرج ضمن السلع الكمالية أو غير الأساسية، ما يجعل الطلب عليها أكثر حساسية في أوقات الأزمات.
وعليه، سجلت الصادرات إلى الإمارات العربية المتحدة، التي تستحوذ على 13.0% من إجمالي الصادرات اللبنانية، انخفاضًا سنويًا بنسبة 37.4% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025. كما تراجعت الصادرات إلى سويسرا، التي تمثل 9.5% من إجمالي الصادرات، بنسبة 68.7% خلال الفترة نفسها.
في المقابل، ارتفعت الصادرات إلى تركيا، التي تستحوذ على 8.5% من إجمالي الصادرات، بنسبة 86.0% على أساس سنوي. كما زادت الصادرات إلى سوريا، التي تمثل 6.1% من الإجمالي، بنسبة 23.9% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. كذلك، سجلت الصادرات إلى الولايات المتحدة ارتفاعًا بنسبة 4.5%.
التصدير بحسب المعابر
وبالنظر إلى تطور الصادرات بحسب موانئ التحميل، كان لافتا انخفاض إجمالي الصادرات عبر البحر بنسبة 15% في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي. وفي التفاصيل
سجلت الصادرات عبر ميناء بيروت انخفاضًا سنويًا بنسبة 11% و37.6% عبر ميناء طرابلس و10% عبر ميناء صيدا.
أما الصادرات عبر الجو (مطار بيروت الدولي) فقد انخفضت بنسبة 39.6% سنويًا.
في المقابل ارتفع إجمالي الصادرات البرية (عبر المعابر البرية من سوريا) بنسبة 74.3% وهذا قد يكون نتيجة تحسن العلاقات مع سوريا وتنظيم عمليات النقل.
بالأرقام، أظهر الاقتصاد اللبناني مرونة لافتة خلال الحرب، ليس فقط من خلال تراجع الاستيراد، بل أيضًا في قدرته على التكيّف مع صدمات الطلب في الدول المتأثرة بالحرب. وهذا يقود إلى استنتاج مفاده أن المشكلة ليست في التجارة الخارجية بقدر ما هي في استمرار عجز الموازنة، الناتج أساسًا عن تضخم القطاع العام وغياب إعادة هيكلته. فهناك يكمن مصدر الخشية الحقيقي على الاقتصاد، وهناك أيضًا يكمن السبب الذي بدّد الودائع، لا في التجارة الخارجية.
