يشهد لبنان بعد أكثر من ست سنوات على الانهيار المالي عودة السلطة السياسية للحديث بقوة عن ضرورة إقرار القوانين الإصلاحية، ولا سيما قانون الفجوة المالية، تمهيدًا للخروج من الأزمة وكسبًا لثقة المجتمع الدولي والمساهمة في ورشة الإعمار المقبلة. يتهيأ مجلس النواب حاليًا لمناقشة وإقرار قانونين يُعدّان من أهم القوانين منذ بداية الأزمة المالية عام 2019: الأول يتعلق بإصلاح وإعادة تنظيم المصارف ويحدد كيفية التعامل مع المصارف المتعثرة، سواء عبر دمجها أو تصفيتها أو إعادة هيكلتها، والثاني يتناول قانون الفجوة المالية الذي يحدد من سيتحمل خسائر الأزمة وكيف ومتى ستُعاد أموال المودعين. ويرتبط هذان القانونان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا، إذ لا يمكن أن ينجح أحدهما من دون الآخر، فيما يبقى الاختبار الحقيقي في تحويل هذا القرار إلى واقع داخل اللجان النيابية حيث لا تزال الخلافات كبيرة.
تتمحور المعركة الحقيقية اليوم حول كيفية توزيع الخسائر ومن سيتحملها: الدولة أم مصرف لبنان أم المصارف والمساهمون أم المودعون. ويبرز في هذا السياق مبدأ “تآكل قيمة المال بمرور الوقت”، إذ يفقد التعويض المؤجل جزءًا كبيرًا من قيمته الفعلية كلما طال أمد التأخير في السداد، ما يجعل تسريع إقرار القانون ضرورة اقتصادية وليس مجرد مطلب شعبي. وتكشف المقارنة بين النسخة التي أقرّتها الحكومة أول الأمر والنسخة المعدّلة لاحقًا عن وجود وجهتي نظر متعارضتين لمعالجة موضوع الخسائر، إذ اقترحت الصيغة الأولى ردّ كامل المبلغ حتى مئة ألف دولار على مدى أربع سنوات بكلفة تقارب عشرين مليار دولار، بينما تعثّرت هذه الخطة أمام قدرة عدد محدود من المصارف على تحمّل هذا العبء، ما أدى إلى تعديلات قد تقلّص فعليًا ما سيحصل عليه المودعون. وتُقارن هذه التجربة بمعالجة أزمة مادوف في الولايات المتحدة، حيث اعتُمد مبدأ ردّ أصل المبلغ المتبقي بدل الفوائد المتضخمة، مع التمييز بين الأموال التي تحوّلت إلى الخارج بفعل نفوذ سياسي أو مصرفي وتلك التي بقيت خاضعة للقيود المصرفية.
كذلك يتطرق النقاش إلى ملف الدعاوى القضائية التي رفعها مصرف لبنان بحق بعض المصارف والحاكم السابق، باعتبارها خطوة نحو المحاسبة وإثبات الجدية أمام صندوق النقد الدولي، إلى جانب ضرورة إصلاح القطاع العام المتضخم ومنع لجوء المصرف المركزي إلى طباعة النقد لتغطية الخسائر مستقبلًا، عبر اعتماد نظام مجلس النقد الذي يربط الليرة بالدولار ويحميها من التضخم المفرط الذي دفعها سابقًا من 1500 ليرة إلى أكثر من مئة ألف ليرة مقابل الدولار.
وفي ما يخص قطاع الكهرباء، تُطرح خطة لإعادة هيكلته تقوم على وقف تمويل الدولة لمؤسسة كهرباء لبنان عبر أموال المودعين، وتقليص صلاحيات الوزير المطلقة لصالح هيئة ناظمة ومجلس إدارة جديدين، تمهيدًا لتطبيق قانون عام 2002 الذي يقضي بتقسيم القطاع إلى شركات إنتاج وتوزيع مستقلة مع بقاء شركة النقل بيد الدولة، وفتح المجال أمام خصخصة الإنتاج والتوزيع. وتُعرض هذه الخطوات باعتبارها تحولًا إيجابيًا مقارنة بالممارسات السابقة التي استنزفت عشرات المليارات من الدولارات عبر صفقات مشبوهة، مع الإقرار بوجود مخاوف من تكرار أنماط المحسوبية في التعيينات والتنفيذ.
وأخيرًا، من الضروري تفكيك الاحتكارات في قطاعي الطاقة والاتصالات والطيران باعتبارها عائقًا أمام تنافسية لبنان الاستثمارية والسياحية، وأمام قدرة الكفاءات اللبنانية على الازدهار محليًا بدل الهجرة. وتُختتم القراءة بتحديد ثلاث أولويات أساسية للمرحلة المقبلة: إقرار مجلس النقد لحماية الودائع والعملة، إنجاز قانون الفجوة المالية لإعادة إطلاق التمويل المصرفي، وتسريع خصخصة قطاع الكهرباء، مع التحذير من أن أي تأخير إضافي في هذه الملفات سيُبقي الاقتصاد اللبناني رهينة الجمود ويُبعّد فرص التعافي والنمو المستدام.