ملفات الفساد: من يقف خلف هدر مليارات الدولارات في لبنان؟

تشهد الدولة اللبنانية اليوم مساراً جدياً نحو مكافحة الفساد ومحاسبة المتورطين فيه، وذلك انطلاقاً من العهد الرئاسي الجديد ومن البيان الوزاري اللذين حملا إشارات واضحة للتصدي لكل محاولات الفساد والتهرب الضريبي وإصلاح القضاء. وبدأت الحكومة فعلياً بتنفيذ هذه الأجندة الإصلاحية خلال العام 2025، إذ شهد هذا العام أمرين أساسيين: إقرار القوانين المعلقة منذ بداية الانهيار، مثل قانون تعديل السرية المصرفية الذي كان يحول دون الوصول إلى الحسابات المصرفية التي قد تتضمن أموالاً مهربة وغير شرعية، وتصنيف السلاح خارج إطار الدولة بوصفه ميليشيا لا مقاومة.

وتلت هذه الخطوات ولادة قوانين جديدة، منها قانون إعادة هيكلة المصارف، ومشروع قانون انتظام الوضع المالي واسترداد الودائع، إلى جانب إجراءات اتخذها مصرف لبنان لمكافحة تبييض الأموال والتخلص تدريجياً من الاقتصاد النقدي. وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى الحد من الممارسات التي تغذي الفساد.

وبدأت الملفات القضائية تُفتح تباعاً، إذ ادّعى حاكم مصرف لبنان على عدد من الشخصيات المصرفية والمسؤولين السابقين في المصرف المركزي بتهم إساءة الأمانة وهدر المال العام. ويُتوقع أيضاً تغيير جذري في مؤسسة كهرباء لبنان، التي هُدر فيها ما يقارب أربعين مليار دولار من دون أي حوكمة، بعدما أُقرّت خطة لحوكمتها وتغيير مجلس إدارتها تمهيداً لإعادة هيكلتها عبر الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء.

ويبقى ملف التهرب الضريبي، القائم منذ عام 2002، من أبرز التحديات، إذ استوفى لبنان آنذاك كافة شروط الخروج من اللائحة الرمادية باستثناء هذا الملف. وتُبذل اليوم محاولات جدية للتصدي له عبر تركيب آلات المسح الضوئي على المعابر الحدودية، وهو ما سمح باستئناف الاستيراد السعودي من لبنان بعد سنوات من القطيعة.

وتكتمل البنية التشريعية لمكافحة الفساد في لبنان من خلال إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهيئة الشراء العام، وقانون المنافسة، وقانون حماية المستهلك، وقوانين أخرى عدة. غير أن تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع لا يزال بطيئاً، إذ تعرقله الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان نتيجة الحرب والإشكالات الداخلية، وينتظر استكمال المراسيم التطبيقية اللازمة.

وتبرز أهمية ضمان استقلالية القضاء وعدم التدخل فيه، بعدما كانت المحسوبيات محمية بقوة السلاح لفترة طويلة، إذ عرقل هذا السلاح تحقيقات قضائية كبرى، كتحقيق انفجار مرفأ بيروت، وأثّر في التشكيلات القضائية. وتشير التحقيقات الأولية إلى هدر يقدَّر بعشرات مليارات الدولارات، إذ يبلغ حجم الأموال المهدورة سنوياً نتيجة الفساد نحو ملياري ونصف مليار دولار، أي ما بين ثمانية وعشرة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ ثلاثين مليار دولار. ويُنتظر أن يتيح كشف السرية المصرفية وإنجاز قانون التبادل الدولي للمعلومات الضريبية، الذي انضم إليه لبنان عام 2014 ولا يزال عالقاً، ملاحقة المتهربين ضريبياً واسترداد جزء من هذه الأموال المهدورة منذ انتهاء الحرب الأهلية.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على قناة العربية الحدث