مع تعيين مجلس إدارة جديد للصندوق الوطني لـ الضمان الاجتماعي، يكون لبنان قد فتح فصلاً جديداً في مسار قانون “التقاعد والحماية الاجتماعية”. فهذا القانون، الصادر في كانون الأول 2023، والذي من شأنه أن يحلّ محل نظام تعويض نهاية الخدمة القديم، ويوفّر دخلاً شهرياً للمتقاعدين وحماية صحية مدى الحياة، ظلّ معلّق التنفيذ بسبب عدم اكتمال صدور مراسيمه التطبيقية الخمسة عشر. ويشكّل مرسوم إعادة هيكلة مجلس إدارة الضمان بشكل احترافي واحداً من أهم هذه المراسيم المنتظرة منذ سنين.
بعد إقرار القانون في البرلمان، انصبت الجهود سريعاً على تحديد الفئات الأكثر تمثيلاً للعمال وأرباب العمل في مجلس الإدارة، وخصوصاً أن المجلس سيُخفَّض عدد أعضائه من 26 إلى 10. فيُمثَّل أرباب العمل بأربعة أعضاء، والعمال بأربعة أعضاء أيضاً، فيما تمثّل الدولة بعضوين. كما حُدّدت الخبرات التي يجب توافرها في الأعضاء والكفاءات المطلوبة، بالتنسيق مع منظمة العمل الدولية ومجلس الخدمة المدنية. وعلى الرغم من ذلك، حال الفراغ السياسي الذي شهده لبنان عام 2024 دون صدور مرسوم تعيين مجلس الإدارة. ولم تُجرَ التعيينات طوال عام 2025، رغم انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة أصيلة، وإحداث نقلة نوعية في التعيينات الإدارية، ولا سيما في الهيئات الناظمة. ولم يبصر المجلس الجديد للضمان النور إلا أخيراً، في مطلع آب 2026.
التنفيذ مازال بعيداً
مع الأسف، فإن تعيين مجلس الإدارة لا يعني أبداً أن القانون سيدخل حيّز التنفيذ قريباً. صحيح أنه بدأ يسير بخطوات أسرع، بضغط من المجتمع الدولي عموماً وصندوق النقد الدولي خصوصاً، لكن إعداد بقية المراسيم وصدورها يحتاج إلى عمل جاد ومتواصل، نظراً إلى تعقيدها التقني وحساسيتها، وإلى حاجتها إلى كفاءات عالية وخبرات متخصصة وتوافق سياسي عريض.
أبرز العقد المتبقة
من أهم الشروط التطبيقية إنشاء جهاز جديد ثالث في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. فإضافة إلى المديرية العامة، التي تمثّل الجهاز التنفيذي في الضمان برئاسة المدير العام الدكتور محمد كركي، واللجنة الفنية المكوّنة من رئيس وعضوين يُعيّنون بمرسوم، وتعمل على التدقيق في أعمال الضمان، يقضي القانون بإنشاء جهاز جديد للاستثمار. ويتكوّن الجهاز الثالث من أعضاء وموظفين يقارب عددهم 15 شخصاً، يرأسهم مدير تنفيذي برتبة مدير عام. ويتطلب هذا الجهاز تحديداً كفاءات وظيفية عالية جداً، ذلك أنه سيكون مسؤولاً عن استثمار أموال الضمان واشتراكات المضمونين، إلزامياً أو اختيارياً، في لبنان وخارجه، ويكون ملحقاً بمجلس الإدارة. ويُعيّن بناءً على توصية مجلس الإدارة ومصادقة الحكومة عليه.
عقدة التسويات
إذا كان تحديث الضمان وتطوير النظام المعلوماتي للتصريح وإجراء المعاملات عن بُعد، كما ينص القانون، أمراً مقدوراً عليه، فإن العقدة الثانية، التي لا تقل صعوبة، ستتمثل في العلاقة مع المؤسسات والشركات. فهذه الأخيرة يتوجب عليها إجراء التسوية على تعويضات نهاية الخدمة لموظفيها. وبحسب القانون، يدخل كل موظف يُسجّل حديثاً في الضمان تلقائياً في نظام التقاعد، وكذلك كل من لم يبلغ 49 عاماً من الأجراء السابقين عند بدء نفاذ القانون. أما من يتجاوز عمره 49 عاماً، فيُخيّر بين الدخول في نظام التقاعد أو تقاضي تعويض نهاية الخدمة. وترتّب هذه التعويضات على المؤسسات مبالغ مالية كبيرة جداً، نظراً إلى تدهور سعر صرف الليرة والفروقات بين التصريح، الذي كان يبلغ 675 ألف ليرة قبل الأزمة، وارتفاعه حالياً إلى 28 مليون ليرة. وهذه الفروقات ستتحملها المؤسسات الخاصة.
على الرغم من أن المؤسسات التي تصرّح عن الأجور الفعلية قبل الانهيار وبعده لا تتجاوز 2 في المئة من مجمل المؤسسات والشركات العاملة في لبنان، فيما 98 في المئة منها تصرّح على أساس الحد الأدنى للأجور أو أقل من 30 مليون ليرة راهناً فهي تضغط للتهرب من هذه التسويات. وهي تطالب في رفع سن الدخول الإلزامي في نظام التقاعد إلى أكثر من 49 عاماً، للتخفيف من فاتورة التسويات، مع العلم أن العمر المحدد في النسخ الاولية من القانون كان أقل من 43 عاماً. ومع هذا فان أي تغيير جديد في العمر يتطلب تعديلاً نيابياً ولا يمكن تغييره بشطبة قلم.
القانون ليس «سخياً»
القانون الذي أتى بمباركة الجميع، أقله علنياً، يُعتبر غير سخي، وهذه هي مشكلته الثالثة. فمن يعمل 40 عاماً يحصل على معاش تقاعدي يشكل 54 في المئة فقط من متوسط الأجور، فيما ترتفع هذه النسبة في دول العالم الأول إلى نحو 70 في المئة. ومن يعمل 30 سنة ينال 40 في المئة.
وإذا كان الوضع الاقتصادي العام في لبنان هو السبب الرئيسي وراء خفض نسبة الراتب التقاعدي إلى الأجر الأساسي، فإن عدم تصريح الشركات عن الأجور الحقيقية لأجرائها، واكتفاءها بالتصريح عن الحد الأدنى للأجور المحدد حالياً بـ28 مليون ليرة، سيكون سبباً رئيسياً في الحؤول دون حصولهم على أجور تقاعدية عادلة، أو أقله كافية، ولا سيما في ظل استمرار التضخم وارتفاعه وانهيار القيمة الشرائية للأجور. لذلك، فإن كل محاولات “التذاكي” على هذا القانون، من خلال سحب التعويضات راهناً من قبل الموظفين، ومن ثم الدخول في النظام الجديد وقبض الراتب التقاعدي، لن تمثّل ربحاً لهم.
خلاف القانون مع الزمن
مشكلة هذا القانون الرابعة أنه في خصام دائم مع الوقت، أو بالعربي الدارج «مش أصحاب مع الزمن». فهذا القانون أُنجز في العام 2004، ونُيّم في أدراج البرلمان لغاية العام 2023، أي نحو 20 سنة. وبعد إقراره، كان يجب أن يدخل حيّز التنفيذ في موعد أقصاه نهاية العام 2024. ولغاية اليوم، أي بعد مرور ثلاث سنوات على إقراره، لم تصدر مراسيمه التطبيقية. وبحسب الوتيرة التي يسير عليها، لن يبدأ تطبيقه قبل العام 2027 بالحد الأدنى، إن لم يتطلب وقتاً أكثر.
في جميع الحالات، فإن القانون عصري وحديث، لكنه لا يتطلب فقط التطبيق من قبل الدولة والضمان، بل يجب على المؤسسات التصريح الفعلي عن رواتب أجرائها، لكي تتحسن تعويضات نهاية خدمتهم وينعموا بحياة كريمة ولائقة. وهذه هي العقدة التي لا يوجد لها حل في لبنان، والمشكلة الخامسة المستعصية على الدوام.
