بين تراجع الفرص والهجرة: إلى أين يتجه سوق العمل اللبناني؟

تتجلى أزمة سوق العمل في لبنان بشكل أوضح في تفاصيل الحياة اليومية منها في الأرقام الرسمية، إذ تتوقف أعمال وتتقلص أخرى، بينما يواجه آلاف العاملين ظروفاً مهنية واقتصادية أكثر هشاشة. يعاني خريجو الجامعات والمعاهد في لبنان من مشكلة كبيرة تتمثل في تقلص سوق العمل، ويأتي على رأس هذه المشكلات الأزمة النقدية التي أعقبتها الأزمة المالية والصعوبات الاقتصادية التي يواجهها لبنان.

تسبق هذه الأزمة مشكلة أعمق تتعلق بصعوبة تأسيس الأعمال في لبنان أصلاً، وتنعكس هذه الصعوبة مباشرة على مستويي الاستثمار والتوظيف. يضطر كثير من الخريجين إلى المرور بمرحلة إلزامية يكتسبون خلالها الخبرة، ليقرروا بعدها إما الاستمرار موظفين في مراتب عليا، وإما التحول مستقبلاً إلى مستثمرين بأنفسهم.

لا تتوقف المشكلة عند حدود تداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية، بل تمتد لتشمل صعوبة أخرى تتعلق بغياب البيانات الرسمية الدورية، وهو ما يجعل قياس حجم الضرر الفعلي أكثر تعقيداً. يتضح من خلال متابعة هذا الملف أن سوق العمل اللبناني صغير الحجم بطبيعته، وبالتالي فمن المتوقع أن تستمر معدلات البطالة في الارتفاع، أو أن تتفشى ظاهرة البطالة المقنّعة، حيث يجد الخريج، سواء كان من كلية الهندسة أو كلية الطب أو كلية الحقوق أو أحد المعاهد التقنية كالميكانيك، نفسه مضطراً للعمل في وظائف لا تتناسب مع تخصصه واختصاصه الأكاديمي.

تبرر الحاجة إلى تأمين لقمة العيش هذا التوجه، إذ لا يشكل العمل في حد ذاته عيباً مهما كانت طبيعته، غير أن هذا الواقع يمثل في جوهره هدراً حقيقياً للقدرات والكفاءات الوطنية. ينتهي الأمر في كثير من الأحيان بهذا الخريج، بعد أن يفقد الأمل في تحقيق طموحه المهني داخل بلده، إلى اتخاذ قرار الهجرة بحثاً عن فرص أفضل خارج الحدود اللبنانية.

تستدعي هذه المعطيات مجتمعة ضرورة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاستثمارية، وتستوجب العمل على تبسيط إجراءات تأسيس الأعمال، وتحسين آليات جمع البيانات الرسمية بشكل دوري ومنتظم، بما يتيح رسم صورة أدق وأشمل لواقع سوق العمل في لبنان، ويساهم في وضع حلول فعلية تحد من هجرة الكفاءات وهدر الطاقات الشابة.

اضغط هنا للاستماع للمقابلة على اذاعة صوت لبنان