“مظلّة” قادة الأعمال “تخيّم” على “مجلس النقد”.. فهل تقي الاقتصاد “لذعة” السياسة النقدية؟

السياسة النقدية

يقف لبنان على بُعد خطوات قليلة من التعافي الاقتصادي. قوانين الإصلاح المالي التي أُقرّت أخيراً، وصدور المراسيم التطبيقية لما سبق سنّه من قوانين اقتصادية، والتعيينات الإدارية، بشّرت بـ “كسر” المحرّمات التي أعاقت الخروج من الانهيار لسنوات. المسألة الوحيدة التي ما زالت متروكة خارج القرار هي السياسة النقدية التي سيجري اعتمادها في المستقبل. هل نعتمد التثبيت الصارم لسعر الصرف أم المرن؟ وماذا عن التعويم؟ هل يمكن أن يشكّل خياراً منطقياً؟

قبل فترة ليست بطويلة، عاد الحديث عن “مجلس النقد” (Currency Board) بوصفه أكثر نظام نقدي ملائم للبنان. صحيح أن هذا النظام يُعدّ أحد أشكال الربط الصارم لسعر الصرف (Hard Peg)، إلا أنه يختلف عمّا كان سائداً في لبنان قبل الانهيار بثلاثة أمور جوهرية:

  • الأول، عدم طباعة ليرات إلا بمقدار ما يدخل الاقتصاد من دولارات. فلا يمكن للمصرف المركزي طباعة العملة الوطنية لتمويل عجز الخزينة أو “شهوات” المسؤولين، والتسبب بالتالي بزيادة الطلب على الدولار والضغط على سعر الصرف.
  • الثاني، عدم اضطرار المصرف المركزي إلى التدخل بائعاً للدولار عند كل خضّة نتيجة الهلع والخوف من فقدان الليرة لقيمتها، الأمر الذي يحمي الاحتياطيات ويعززها.
  • الثالث، والأهم بالنسبة إلى عملاء المصارف، هو ضمان عدم مدّ المركزي يده على توظيفات المصارف أو محاولة جذبها بالترهيب أو الترغيب، لاستخدامها في إطفاء الطلب على الدولار، كما حصل إبان سنوات ما قبل الانهيار، وأدّى إلى فقدان 180 مليار دولار من الودائع، والتسبب بواحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم.

موقف الهيئات الاقتصادية من مجلس النقد

خصائص “مجلس النقد” الإيجابية هذه حظيت بقبول واسع لدى الهيئات الاقتصادية اللبنانية، بحسب ما فُهم من اللقاء الذي استضافته غرفة التجارة في بيروت مع راي دباية، والذي خُصّص لعرض رؤيته لمدى جدوى وملاءمة إنشاء مجلس نقد في لبنان. وقد اعتبرت الهيئات، في بيان، أن “إنشاء مجلس نقد يمكن أن يوفر درجة إضافية من المناعة للاقتصاد الوطني”. وأكدت الهيئات أنها “تتطلع إلى المساهمة الفاعلة، بالتعاون مع السلطات المختصة، في دراسة ومناقشة هذا المشروع من مختلف جوانبه وأبعاده، بما يخدم مصلحة لبنان ويساهم في ترسيخ الاستقرار المالي والنقدي ووضع الاقتصاد على مسار التعافي المستدام”.

مثال حي

فكرة تطبيق مجلس النقد ليست بعيدة عن لبنان. فـ “السياسة النقدية المطبقة حالياً شبيهة بمجلس النقد”، يقول رئيس تجمع الشركات اللبنانية د. باسم البواب. فقد ثبّت المصرف المركزي سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وتوقف عن طباعة العملة الوطنية، ويضخ الليرات في السوق بمقدار حاجة المؤسسة إلى الليرة لتسديد الرسوم والضرائب، وما يحصّله من دولارات. أكثر من ذلك، فإن كل الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية تبلغ راهناً 628 مليون دولار، وتشكل أقل من 6% من احتياطيات النقد الأجنبي التي وصلت في منتصف آب إلى 11 ملياراً و615 مليون دولار. وبإمكان المركزي امتصاص كل الليرات في السوق مقابل مبلغ زهيد نسبياً، ما يجعل الانتقال إلى نظام مجلس النقد خياراً قابلاً للتطبيق بسهولة نسبية.

هذه السياسة المعتمدة منذ أواسط 2023، والتي أطلق عليها أحد أعضاء المجلس المركزي اسم “Fake Currency Board”، معمول بها وأثبتت فاعليتها. لكن اعتمادها بشكل رسمي يتطلب، بحسب البواب، إقرارها بقانون في مجلس النواب، كي لا تتغير مع تغيّر المجالس المركزية أو تحت ضغط طلبات السلطة، وذلك طبعاً بعد مناقشتها وتزامنها مع تحقيق بقية الإصلاحات. وباعتقاد البواب، فإن تطبيق هذه السياسة يتطلب إعادة هيكلة القطاع العام، وتخفيض نفقاته، وإصلاحه بشكل جذري، بالإضافة طبعاً إلى تطبيق بقية الإصلاحات المالية والاقتصادية.

أهمية الحوكمة

مجلس النقد يمثل حلاً منطقياً للسياسة النقدية إذا ترافق أو لحق بتغيير المنظومة السياسية، يضيف رئيس هيئة تنمية العلاقات الاقتصادية اللبنانية الخليجية إيلي رزق. فحتى مع تثبيت هذه السياسة بقانون، يمكن نقضها، بحسب رزق، والدليل ما حصل مع قانون النقد والتسليف وبقية القوانين المالية التي ضُرب بها عرض الحائط.وبرأيه، فإن نجاح أي قانون، مهما كان ملائماً ومناسباً، يرتبط بمدى الحوكمة المطبقة، والتحول من حكم الزعماء إلى حكم المؤسسات.

بين التثبيت والتعويم

بالمقارنة مع أنظمة التثبيت المرن، كالذي تعتمده مصر، أو التعويم الكلي، فإن مجلس النقد يمثل الخيار الأمثل للبنان. فنظراً إلى طبيعة الاقتصاد اللبناني المدولر بنسبة تصل إلى 98%، وهشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية، وتأثره بشكل كبير بالأزمات العالمية، فإن أي تحرير لسعر الصرف سيفقد الليرة المزيد من قيمتها ويجعلها عرضة للتقلبات السريعة. وخلافاً لمصر، التي تتمتع بقاعدة إنتاجية، فإن التثبيت المدار سيستنزف الدولارات من الاحتياطيات، وقد يعيد البلاد إلى سياسات الجذب القديمة التي أدّت إلى الانهيار. لذلك، يبقى مجلس النقد الخيار الأكثر مسؤولية، ولعل نجاح التجربة منذ العام 2023 ولغاية اليوم خير دليل على ذلك.

نقاش الهيئات الاقتصادية في بيروت لآلية عمل مجلس النقد كان قد سبقه اجتماع موسّع في الخارج مع مجموعة من القيادات المصرفية. وبحسب ما يُستشف من الاجتماعين، هو تأييد القطاع الخاص اللبناني وقادة الأعمال لاعتماد مجلس النقد. وإن كانت الهواجس النقدية قد تمحورت حول القدرة على استخدام السياسة النقدية لتخفيض أو رفع أسعار الفائدة، والتأثر بشكل كامل بتقلبات عملة الربط، التي هي الدولار، فإن المخاوف من معارضة سياسية للنظام كانت الأكبر بما لا يُقاس.

“اعتماد هذه السياسة يعني إطلاق السلطة النار على قدمها”، بحسب توصيف أحد المعنيين. فهي تحدّ من استمرار القطاع العام بشكله المتضخم، مرتعاً للتوظيف السياسي ومركزاً لعقد الصفقات على حساب المال الخاص والاستقرار، وهذا ما لن ترضى به الأغلبية. ولكن لعل هذا، في النهاية، دليل على صحة الفكرة والحاجة إلى دعمها وتشكيل “لوبي” فاعل حولها. وعلى حدّ قول المتنبي: “وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ، فهي الشهادةُ لي بأنّي كاملُ”. فانتقاد السياسيين لمجلس النقد قد يكون، في حدّ ذاته، دليلاً على صحة الفكرة والحاجة إليها.