مصرف لبنان يضيّق الخناق على تبييض الأموال ويستكمل البنية التنظيمية لمؤسسات الصرافة

تبييض الأموال

تتسارع الإجراءات لإكمال البنية القانونية والتنظيمية المتينة لـ مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. فما بعد عام 2026 لن يكون بالنسبة إلى لبنان كما قبله. مجموعة العمل المالي “فاتف” ستعقد اجتماعها الثالث والأخير لهذا العام في نهاية تشرين الأول المقبل، وستحدد مدى التزام لبنان بمعالجة أوجه القصور في مكافحة غسيل الأموال. وعلى هذا الأساس، يُتخذ القرار بإزالته من اللائحة الرمادية، أو إبقائه عليها، أو حتى الإعلان عن عدم التزام لبنان بالمتطلبات، مع ما يمكن أن يترتب على ذلك من تبعات قد تكون أقسى.

قبل أقل من شهرين على موعد مراجعة “فاتف”، أصدر مصرف لبنان التعميم الأساسي الرقم “6” المتعلق بشروط تأسيس وممارسة عمل مؤسسات الصرافة. في ظاهره، يبدو التعميم تنظيمياً، يهدف إلى تحديث وتطوير بعض الأحكام الناظمة لمهنة الصرافة، بما يواكب التطورات التي شهدها القطاع المالي والنقدي في لبنان خلال السنوات الأخيرة، ويضمن مواءمة الإطار التنظيمي المعتمد مع المستجدات العملية والتقنية والرقابية التي طرأت على السوق اللبنانية.

إلا أن الدخول في حيثيات التعميم يُظهر أن الهدف العريض منه هو تنظيف السوق من الدخلاء على المهنة، سواء كانوا مسجلين أم غير مسجلين، وإخضاع المتبقين لمتطلبات الامتثال ومعرفة العملاء، وتشديد المعايير في مكافحة العمليات المشبوهة، وإنزال العقوبات بالمخالفين؛ وهي كلها إجراءات تهدف إلى القضاء على إمكانية تبييض الأموال وتمويل الإرهاب عبر عمليات الصيرفة أو شحن الأموال ونقل المعادن من لبنان وإليه.

مؤسسات الصرافة

تتوزع مؤسسات الصرافة على فئتين:

  • الفئة A، تمارس أعمال الصرافة التقليدية، وتنقسم إلى فئتين فرعيتين:، A1 التي تقدم خدمة شحن الأوراق النقدية والمعادن الثمينة؛ وA2، التي تقدم خدمة التحويل غير الرسمي للأموال.
  • الفئة B، تمارس شراء وبيع العملات الأجنبية مقابل أي عملة أخرى، وشراء وبيع القطع المعدنية، والتعاقد كوكيل مع شركات مقدمي خدمات الدفع بالوسائل الإلكترونية.

وإذا كان من البديهي، والمنصوص عليه أساساً في قانون تنظيم مهنة الصرافة الرقم 347، عدم تقديم المؤسسات خدمات تخالف الترخيص الممنوح لها، فإن تعميم مصرف لبنان يضبط السوق وعمل هذا القطاع من خلال مجموعة واسعة من الإجراءات، أهمها:

  • رفع متطلبات الحد الأدنى لرأس المال: على مؤسسة الصرافة من الفئة A تخصيص رأسمال أدنى بالليرة اللبنانية بقيمة 25 مليار ليرة، أي ما يعادل نحو 280 ألف دولار. ويرتفع الحد الأدنى لرأس المال بالنسبة إلى الفئة A1 إلى 100 مليار ليرة، أي نحو 1.1 مليون دولار، فيما يُحدد الحد الأدنى لرأسمال المؤسسات من الفئة B بـ10 مليارات ليرة، أي ما يعادل نحو 112 ألف دولار.
  • حظر ممارسة أي نشاط قبل الحصول على الترخيص: يُحظر على مؤسسة الصرافة ممارسة أي نشاط قبل الاستحصال على الترخيص من مصرف لبنان والاكتتاب بكامل رأس المال.
  • التعرّف إلى هوية العميل والمستفيد الحقيقي: يُحظر على مؤسسة الصرافة تنفيذ أي عملية يتعذر فيها التعرّف إلى هوية العميل وتحديد هوية المستفيد الحقيقي، أي صاحب الحق الاقتصادي. وبالتالي، يتعين تطبيق تدابير العناية الواجبة المعززة والتقيد بأحكام القرار الأساسي الرقم 13769 المتعلق بـ”اعرف عميلك” (KYC).
  • تركيب كاميرات للمراقبة والتوثيق: يُفرض على مؤسسات الصرافة تركيب كاميرات تهدف إلى التقاط جميع العمليات المنفذة لصالحها، بما في ذلك العمليات التي تتم على الكونتوارات وفي الصندوق والخزنة، وتوثيق هذه العمليات والاحتفاظ بالتسجيلات لمدة ستة أشهر.
  • توضيح هوية أعضاء مجلس الإدارة: يتعين توضيح هوية أعضاء مجلس الإدارة في الشركات المغفلة.
  • تعيين ضابط أو وحدة امتثال: تُلزم مؤسسات الصرافة بتعيين ضابط امتثال (Compliance Officer) أو إنشاء وحدة امتثال (Compliance Unit) لمراقبة العمليات المالية والمصرفية ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وتشمل مهام الضابط أو والوحدة إعداد التقارير الدورية الداخلية المتعلقة بالامتثال لمتطلبات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ورفعها إلى الإدارة المختصة بصورة شهرية.
  • إحالة المؤسسات المخالفة إلى الهيئة المصرفية العليا: تُحال المؤسسة المخالفة لأحكام نظامها الأساسي من قبل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف إلى الهيئة المصرفية العليا، لفرض العقوبات المنصوص عليها في المادة 18 من قانون تنظيم مهنة الصرافة الرقم 347.

التقاطع مع التعاميم السابقة

لا يمكن فصل هذا التعميم عما سبقه من إجراءات اتُخذت لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ففي نهاية العام الماضي، صدرت خطوتان بالغتا الأهمية في هذا المجال:

  • الأولى: التعميم الأساسي الرقم 3 الصادر عن مصرف لبنان، والذي أخضع كل عملية تحويل أو تصريف أموال مع شركات تحويل الأموال تتجاوز قيمتها 1000 دولار، لتعبئة نموذج «اعرف عميلك» (KYC).
  • الثانية: قرار صادر عن وزارة العدل ألزم الكتّاب العدل بالتحقق من مصدر الأموال وهوية الأطراف المعنية عند تنظيم عقود البيع والشراء والوكالات.

مقاطعة المعلومات

إضافة التعميم الجديد إلى ما سبق من إجراءات تمكّن السلطات القضائية والنقدية والمالية من إنشاء بنك معلومات لا يتيح لها جمع المعلومات عن العمليات المالية تدريجياً وإحصاءها فحسب، بل، والأهم، يمكّنها من مقاطعة هذه المعلومات بعضها ببعض.

فالتعاميم المتعلقة بـ”اعرف عميلك” بالنسبة إلى شركات تحويل الأموال ومؤسسات الصرافة والكتّاب العدل تكتفي بتصريح العميل عن هويته ومصدر أمواله والغاية من تحويلها أو تلقيها، من دون إلزامه مباشرة بتقديم أي إثبات. ومن ثم، تُرسل هذه البيانات إلى هيئة التحقيق الخاصة، حيث تُخزّن في أنظمة مراقبة متخصصة، بما يمكّنها من مقاطعة المعلومات الواردة من الصرّاف مع بيانات أخرى تخص الشخص نفسه، كالمعاملات المنجزة لدى الكاتب العدل، أو عمليات تصريف الأموال وتحويل الأموال والمعادن إلى الخارج بواسطة الصرافين، أو الحسابات المرتبطة بالمحافظ الإلكترونية، أو سجلات السجل التجاري، أو أي مصادر رسمية أخرى. وبذلك، تتكوّن صورة متكاملة تساعد على تحديد ما إذا كانت العملية التي قام بها العميل طبيعية أم مشبوهة.

فإذا صرّح أحد العملاء لدى الصرّاف بأنه يتقاضى 300 دولار شهرياً من وظيفته، تتيح عملية التقاطع اللاحقة كشف ما إذا كانت العمليات المالية التي يجريها تتجاوز بشكل غير منطقي مستوى دخله المعلن أو تفوق قدرته المالية، بما قد يرفع “الراية الحمراء” في النظام الإلكتروني، إيذاناً بضرورة التدقيق في مصدر تلك الأموال ووجهتها، واحتمال ارتباطها بعمليات فساد أو تبييض أموال لحساب أطراف أخرى.

الغاية الأساسية من هذا التعاميم، إذاً، ليست الاستجواب المباشر للعملاء، بل الوصول إلى نتائج دقيقة لاحقاً عند تقاطع البيانات من مصادر متعددة. أما الحالات التي تثير الشبهات فهي تلك التي لا تتوافق فيها حركة الأموال مع الدخل المصرّح عنه أو مع السجلات المالية والضريبية. وهنا يمكن للنظام التدخل والملاحقة في تهم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.