ثبات الليرة بلا تثبيت رسمي.. إلى متى؟

الليرة

أجاب حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في معرض حديثه لـ “سي إن إن اقتصادية” عما يجول في خاطر أكثرية المواطنين: هل يظل سعر الليرة ثابتاً؟ إن كان الجواب نعم! فما الذي اختلف إذاً عن السابق؛ أيام “الليرة بخير” التي أوصلت إلى الانهيار. وإن كان الجواب لا! فالمصيبة ستكون أكبر بما لا يقاس، حيث يخسّر انخفاضها المداخيل قيمتها، ويعود بالاقتصاد إلى التضخم الذي قد يتحول سريعاً إلى مفرط، على غرار ما حصل مطلع 2023.

ببساطة، ومن دون أي تعقيدات، قال سعيد: “نحن اليوم أمام ثبات لليرة، ولا تثبيت لها”، رابطاً استمرار هذا الثبات بالآليات التي تحكم السوق لجهة العرض والطلب.

كيف تحقق الثبات؟

المؤسسات والأفراد ما زالوا يطلبون الليرة بشكل أساسي لتسديد الرسوم والضرائب للإدارات العامة، التي لا تتقاضى العملة الأجنبية. ومن أجل هذه الغاية، يقومون بتحويل الدولار المتأتي من التصدير أو السياحة أو تحويلات المغتربين أو حتى المساعدات إلى ليرات عند محلات الصرافة. في المقابل، يضخ مصرف لبنان ليرات في السوق بقدر هذه الحاجة، ويجمع الدولارات، عبر آلية وُضعت أسسها النظرية والعملية في نهاية الربع الأول من العام 2023. ساعده على ذلك وقف التعامل مع كل “متعهدي” جمع الدولارات من السوق مقابل عمولات، وحصر التدخل بجهة واحدة تنسق مع مجموعة من الصرافين والمصارف وفق قواعد مشددة، وبضمان أعلى شروط الامتثال لمكافحة تبييض الأموال، ومن دون تحميل الدولة أي أكلاف. وعليه، فإن استمرار الدولة في “جباية ما يقارب 6 مليارات دولار سنوياً بالليرة، يخلق طلباً عليها”، بحسب سعيد، و”يساعد في الحفاظ على الاستقرار النقدي”.

شبيه “مجلس النقد”

هذه الآلية التي سبق لأحد نواب حاكم مصرف لبنان أن شبّهها بـ “مجلس النقد“، ساعدت على ضمان عدم اختلال سعر الصرف في أكثر المراحل خطورة التي يمر بها الاقتصاد. فهي لا تدفع مصرف لبنان إلى طباعة الليرات إلا بقدر ما يدخل إلى الاقتصاد من دولارات. وبالتالي، انخفضت الكتلة النقدية بالليرة من حدود 90 ألف مليار في بداية العام 2023 إلى أقل من 58 ألف مليار بحلول نهاية آب الماضي. وفي الموازاة، أخذ مصرف لبنان قراراً حاسماً بعدم تسليف الدولة أو إقراضها بالليرة أو الدولار لأي سبب كان، ما حد من طباعة النقود من جهة، وحمى ما تبقى من ودائع من الجهة الثانية.

على هذا الأساس، حافظ سعر الصرف على استقراره في اقتصاد هش مزقته الحرب الإسرائيلية الداخلية وحرب إيران الخارجية، وهو لا يزال يدور في أزمته المالية الطاحنة. فبدا سعر الصرف وكأنه لبلد آخر. ولم تتراجع الاحتياطيات إلا بنحو 300 مليون دولار في نهاية نيسان إلى 11431 مليون دولار، من 11878 مليون دولار في شباط. لتعود وترتفع في حلول أيلول إلى 11566 مليون دولار. في حين اضطرت دول ذات اقتصادات جبارة، مثل اليابان، إلى التدخل بالسوق بعشرات مليارات الدولارات للحفاظ على استقرار الين؛ ولم تفلح بعد.

تحديات المحافظة على الثبات

بقدر ما يقود عدم وجود قرار رسمي بـ “تثبيت” سعر الليرة إلى الاطمئنان بعدم تكرار تجربة الماضي، بقدر ما تثير آلية “الثبات” المصطنع الخشية من التراجع عنها. فالقرار بالتوقف عن طباعة الليرات وإقراض الدولة اتُخذ من المجلس المركزي برئاسة وسيم منصوري بالإنابة، واستمر العمل به مع الحاكم سعيد. في حين أن إحجام وزارة المالية عن الإنفاق بالليرة، للحد من زيادة الطلب على الدولار من جهة، وزيادة الاحتياطيات من الجهة الثانية، قد يكون غير مستدام في ظل ازدياد الحاجات. وهذا، بالحقيقة، ما نبه إليه البنك الدولي في تقرير “المرصد الاقتصادي للبنان”، إصدار صيف 2026، المعنون “اقتصاد أنهكه الصراع”. فصحيح أن الحكومة سجلت فائضاً إجمالياً بلغ 3.9% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2025، مدعوماً بتعزيز الامتثال الضريبي وارتفاع حصيلة الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة، إلا أن الاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالصراع واحتياجات إعادة الإعمار، والضغوط الرامية إلى زيادة أجور موظفي القطاع العام، إلى جانب تباطؤ نمو الإيرادات، ستؤدي إلى فرض مزيد من الأعباء على المالية العامة خلال النصف الثاني من عام 2026. وبرأي البنك الدولي، لا يزال الدين العام غير مستدام، كما أن مفاوضات إعادة هيكلة الديون لم تبدأ بعد. وعليه، فإن سعر الصرف الذي ظل مستقراً، مدعوماً باستخدام الاحتياطيات وتقييد السيولة بالليرة اللبنانية، قد يواجه، برأي البنك الدولي، ضغوطاً إذا تراجعت التدفقات المالية الوافدة أو تفاقمت الصدمات المرتبطة بالصراع، ولا سيما أن القطاع المصرفي لا يزال يعاني اختلالات عميقة، رغم إحراز بعض التقدم في تنفيذ جوانب من أجندة إعادة الهيكلة.

إزاء هذا الواقع، أكد سعيد أنه لا يمكن تحديد “خط أحمر” ثابت للاحتياطيات لا يمكن النزول دونه في ظل الحرب القائمة. فهذه الاحتياطيات، البالغة بتقديره نحو 12 مليار دولار، لا تمثل مخزوناً حراً يملكه المصرف المركزي بالكامل، بل تشمل الاحتياطيات الإلزامية التي تودعها المصارف لديه بمقدار 8 مليارات دولار، إلى جانب ودائع الدولة اللبنانية. وإن كان سعيد قد أشاد بأداء وزارة المالية في تحسين الجباية والحد من الإنفاق، واصفاً ذلك بـ”الانضباط المالي”، فإنه لا شيء مكرساً قانونياً. والسؤال الذي يطرح نفسه: إن كانت هذه الآلية ساعدت على استقرار سعر الصرف وضمان عدم مفاقمة التضخم والحد من تآكل القدرة الشرائية للرواتب والأجور وتسهيل المحاسبة على القطاعين العام والخاص، فلماذا لا يجري تثبيتها بالقانون؟