تطرح موازنة 2027 هدفًا معلنًا يقوم على تحقيق عجز صفري، وتحمل هذه الخطوة، إن تحققت فعليًا، أهمية بالغة كونها تحول دون اضطرار الدولة إلى السحب من احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. تثير هذه الفرضية مع ذلك تساؤلات جدية حول مصادر الإيرادات المرتقبة، إذ يتراجع الاستهلاك المحلي، وتنحسر حركة السياحة، وتتقلص تحويلات المغتربين، بينما ترتفع في الوقت ذاته الأجور والرواتب العامة. يصعب بالتالي تصديق إمكانية بلوغ عجز صفري حقيقي في ظل هذه المعطيات مجتمعة.
تُصنَّف السنة الحالية من الناحية الاقتصادية بأنها الأصعب مقارنة بالسنوات السابقة، ويُعزى ذلك إلى الحرب التي أدت إلى انكماش اقتصادي تراوحت تقديراته بين 6.4% بحسب بعض الجهات، ونحو 12% بحسب مؤسسات دولية أخرى. تسعى الموازنة في المقابل إلى زيادة النفقات العامة والإيرادات بنسبة 14%، وهو ما يستدعي عمليًا نموًا اقتصاديًا يتجاوز 20% لتمويل هذه الزيادة، بينما يعاني الاقتصاد أصلًا من الانكماش وتعطل الحركة الإنتاجية في مناطق واسعة، وتوقف السياحة، ومحدودية الدعم الخارجي.
يُلاحظ غياب مصطلح “الضرائب” الصريح عن نصوص الموازنة، من دون أن يعني ذلك غياب الأعباء المالية عن المواطنين، إذ ترتفع سلسلة من الرسوم على المعاملات اليومية، بدءًا من رسوم الاستيراد وضريبة البنزين والرسوم البيئية، مرورًا برسوم الشهادات المدرسية والجامعية وبطاقة الهوية وتصديق الوثائق وطابع المختار. تُوجَّه حصيلة هذه الزيادات أساسًا نحو تمويل ثلاثة بنود: تكاليف الحرب والمساعدات الاجتماعية المرتبطة بها، إضافة إلى مطالب متكررة برفع الرواتب والمعاشات التقاعدية في القطاع العام.
تستحوذ كتلة الرواتب والأجور على نحو 53% من الموازنة العامة، مقابل معدل عالمي لا يتجاوز 20%، ويُعزى هذا التضخم إلى تعيينات غير منتجة جرت عبر الواسطة والمحسوبية والزبائنية السياسية، لا إلى ارتفاع فعلي في أجور الموظفين المنتجين. يُطرح خفض عديد القطاع العام بنسبة تصل إلى 60% كخطوة ضرورية لإتاحة زيادات حقيقية للمستحقين فعلًا، ويُستشهد بقطاع التعليم الرسمي مثالًا، حيث يفوق عدد الأساتذة فيه ضعف نظيره في المدارس الخاصة، رغم تراجع الإقبال عليه لصالح التعليم الخاص.
يعود الوعد الذي أُطلق في شباط 2026 برفع الرواتب إلى ثلاثين راتبًا إلى سياق ضغط شعبي مورس آنذاك، حين اقترب متظاهرون من مجلس النواب، ما دفع نحو إقرار الزيادة من دون دراسة معمقة لتبعاتها المالية. يُحذَّر من الوقوع في حلقة مفرغة تربط بين رفع الأجور وارتفاع التضخم، وهي الحلقة التي أعادت إنتاج التدهور النقدي الذي عاشه لبنان في مطلع العقد الحالي، إذ يقود التمويل غير الممول لهذه الزيادات إلى اللجوء نحو طباعة العملة، فانخفاض سعر الصرف، فمطالب جديدة بالزيادة، في دائرة متصلة.
تُطرح كذلك مبادرة تربط أرقام اليانصيب بتشجيع الامتثال الضريبي، وتبقى هذه الفكرة محل تجربة أولى من نوعها، غير أن الحل الجذري لمعالجة التهرب الضريبي والجمركي يكمن، بحسب هذا الطرح، في خفض النسب الضريبية والجمركية المرتفعة أصلًا لا في زيادة الرسوم والتعريفات، ذلك أن ارتفاعها المستمر يدفع المتعاملين الشرعيين نحو خسارة قدرتهم التنافسية أمام من يتهربون من الالتزامات المالية.
تُختتم هذه القراءة بدعوة إلى ابتعاد المؤسسات التشريعية والتنفيذية عن الحسابات الشعبوية، مع التشديد على ضرورة استثمار المرحلة الراهنة في إجراء إصلاحات هيكلية مؤلمة وغير شعبية، إذ يُحذَّر من أن التقاعس عن اتخاذ هذه الخطوات سيُبقي لبنان أسير أزمته الاقتصادية والمالية لسنوات مقبلة.