قطاع ضيافة بـ” بيوت ” كثيرة.. وفنادق مهددة بالإقفال

بيوت

تغيّر “وجه” لبنان كثيراً في الآونة الأخيرة. عمارات شاهقة بأنماط عمرانية مختلفة، تعلوها كلمة Hotel، مطفأة كلياً أو جزئياً، وأنوار تتلألأ في ” بيوت ” تعلو الجبال أو تستقر أسفل الأودية. مشهد بألف صورة وصورة يلخّص ما آل إليه واقع الأعمال في لبنان، عموماً، والسياحة خصوصاً. فالأزمات المتلاحقة “تطرد” المؤسسات الكبيرة ذات الأكلاف المرتفعة من جهة. ولأن “الطبيعة تكره الفراغ”، على حدّ ما يُنسب إلى أرسطو، تفسح المجال، من الجهة الأخرى، لبدائل أرخص؛ ليس لأنها أصغر فحسب، وإنما أيضاً لأن الجزء الأكبر منها يعمل بـ”الأسود”.

تعاني المؤسسات السياحية التقليدية من فقدان السياح وارتفاع الأكلاف التشغيلية. مشكلتان تمثلان وجهي عملة الانهيار “الصدئة” الواحدة، وتبقيان الفنادق تدور في حلقة مفرغة. فارتفاع الأكلاف التشغيلية يرفع كلفة الإقامة ويضعف القدرة التنافسية للفنادق، ما يؤدي إلى تراجع الطلب وانخفاض نسب الإشغال. وهذا التراجع، بدوره، يرفع الكلفة التشغيلية لكل غرفة مشغولة، لتعود الحلقة وتغذّي نفسها بنفسها.

فنادق ترغب بالإقفال

وقد أدّى هذا الواقع إلى “رغبة لدى عدد من أصحاب الفنادق في إقفال مؤسساتهم موقتاً”، بحسب رئيس اتحاد النقابات السياحية ورئيس نقابة أصحاب الفنادق بيار الأشقر. فبعض أصحاب المؤسسات لم يعودوا قادرين على الاستمرار في تحويل مبالغ كبيرة من الخارج لتأمين استمرارية مؤسساتهم والحفاظ على تشغيلها، ويفضّلون التوقف مرحلياً بانتظار اتضاح المشهد واستقرار الأوضاع وظهور مؤشرات فعلية إلى تعافي لبنان واستعادة زخمه السياحي.

بيوت ضيافة تزداد انتشاراً

بين مطلع العام الحالي ونهاية شهر آب، تراجع عدد القادمين إلى لبنان بنحو 27%، من نحو 2.3 مليون قادم إلى 1.8 مليوناً. إلا أن هذا ليس السبب الوحيد لتراجع الطلب على الفنادق، وإنما لأن الأغلبية الساحقة من القادمين هم من اللبنانيين، إما المقيمين وإما المغتربين، وهم “يفضّلون النزول في بيوت الضيافة”، بحسب رئيس “نقابة أصحاب ومستثمري بيوت الضيافة في لبنان”، رمزي سلمان.

عدا عن كون بيوت الضيافة تؤمّن تجربة إقامة جديدة، فهي تمنح النزلاء هامشاً أكبر من الحرية. ونظراً إلى انتشارها في مختلف المناطق اللبنانية، جبلاً وساحلاً، وتقديمها باقة كبيرة من الخدمات، أصبحت مقصداً أساسياً. وإذ تعاني هذه البيوت من ارتفاع الأكلاف التشغيلية وتقلبات الأوضاع السياسية والأمنية، تبقى، بحسب سلمان، مستحوذة على حصة أكبر من الفنادق.

يوجد في لبنان 49 بيت ضيافة منظماً ومرخّصاً، أو متقدماً بطلب للترخيص من وزارة السياحة، تنتسب رسمياً إلى النقابة، بحسب ما يظهر على موقعها الإلكتروني. ويوجد خارج النقابة عدد من البيوت المرخّصة أو التي تنتظر الترخيص وفق الأصول.

ويُشترط لنيل الترخيص أن يكون المنزل على الطراز اللبناني التقليدي، وأن يقدّم الأكل اللبناني، ويعرّف المقيمين على المنطقة الموجود فيها. هذا إضافة إلى شروط تقنية وقانونية، من بينها أن يكون بيت الضيافة مؤلفاً من أقل من عشر غرف، وأن يكون باسم مالكه، ومستوفياً الشروط القانونية للإنشاءات، أو حاصلاً على إفادة من البلدية بأن وضع الإنشاءات قانوني وغير مخالف، وأن لا يتعارض مع نظام المنطقة، إذا كان حرَجاً مثلاً، وغيرها من الشروط.

العمل بالأسود

مقابل البيوت المرخّصة، التي قد تكون بالمئات، يوجد آلاف البيوت غير المرخّصة التي تعمل علناً في الخفاء. وقد يتجاوز عددها، بحسب الناشط المدني ورئيس جمعية “اليد الخضراء” زاهر رضوان، 5000 مشروع على صعيد لبنان. فهي تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي، وتضع الإعلانات وتستقطب الزوار، إلا أنها غير مرخّصة بأي شكل من الأشكال. وبعضها لا يستوفي أبسط شروط ومعايير السلامة العامة. هذا عدا عن إمكانية أن تكون المنشآت مخالفة، جرى تشييدها سراً أو بـ”ليلة ما فيها ضو قمر”، فوق ينابيع أو على مجاري أنهار، ولا تتصل بشبكات الصرف الصحي، ما قد يؤدي إلى مشكلات بيئية كبيرة جداً مستقبلاً.

غياب التنسيق مع السلطات المحلية

جزء من هذه المشكلة يعود إلى قطع وزارة السياحة قنوات الاتصال مع السلطات المحلية، أو أقله عدم إيلائها الاهتمام اللازم، كما كان يجري مع الوزراء السابقين، للوقوف على كل الأنشطة السياحية التي تقوم في نطاق البلديات ومراقبتها وملاحقتها. فانتشرت المشاريع السياحية المحلية، التي لا يحمل الكثير منها من بيوت الضيافة إلا الاسم فقط، كالفطريات. حتى أصبح في قضاء عاليه وحده أكثر من 500 مؤسسة، تتركز أكثريتها، مثلاً، في كفرمتى، بعدد يصل إلى 162 مشروعاً، وفي عبيه 6 مشاريع، وأكثر من 15 في البنيه، وغيرها الكثير.

أشكال المشاريع

تنقسم المشاريع السياحية إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

  • بيوت الضيافة: التي تستوجب أن تكون تقليدية (Authentic)، وتقدّم خدمة ثقافية إلى جانب الطعام والمبيت.
  • الشاليهات: التي تشترط وزارة السياحة، إضافة إلى رخص الإنشاءات وعدم التعدي على الأملاك العامة والخاصة، أن تتضمن استديو مع مطبخ وحماماً ومكتباً قريباً للإدارة وحارساً.
  • منصات تأجير المساكن المفروشة: والمعروفة بمنصات مثل Airbnb، وهي خدمة يشرف عليها التطبيق، وتخضع لمعايير ومواصفات محددة.

المشكلة أن هذه المشاريع متداخلة إلى درجة تلاشت معها التسمية الصحيحة أو التعريف السياحي لها، بالنسبة إلى أصحابها والسياح أو النزلاء فيها على حد سواء، لينطبق عليها المثل القائل: “كله عند العرب صابون”، حفراً وتنزيلاً. وهي تواجه، بحسب رضوان، ثلاث إشكاليات كبيرة:

  • طريقة إنشاء مخالفة: للقوانين والشروط البيئية والتنظيم المدني ومعايير السلامة العامة. وهي غالباً ما تتم بالاحتيال على القانون؛ حيث يستحصل صاحب المشروع، مثلاً، على رخصة لبركة زراعية، فيحوّلها إلى مسبح، وينشئ على جانبها غرفاً خشبية أو مصنّعة مسبقاً، ويجعلها مشروعاً سياحياً.
  • فوضى الإدارة: حيث تؤجّر هذه المشاريع للبنانيين وغير اللبنانيين من دون الحصول على أي أوراق ثبوتية، وفي أغلب الأوقات عبر الهاتف أو تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي.
  • غياب النظافة الصحية: في الكثير من هذه المشاريع، وعدم وجود أي تقييم دوري لعملها والخدمات التي تقدّمها.

السياحة المتكاملة

نظراً إلى أهميتها على الصعيدين الثقافي والاقتصادي، يفترض معالجة المشكلات الثلاث لتطهير السوق من الدخلاء، والمحافظة على البيئة والتاريخ والأصالة للقرى التي تنتشر فيها، يشدّد رضوان. والأهم تسهيل الترخيص وتبسيطه، وعدم استخدامه من قبل الجهات الرسمية كأداة لتحصيل الأموال، فيزداد التهرب منه وتُضرب المواصفات بعرض الحائط.

صعود قطاع بيوت الضيافة، التي قد يندرج تحتها مفهوم “المنامة والفطور” (Bed and Breakfast)، والذي يميل إليه الأجانب للتعرّف إلى المجتمعات المحلية، نظراً إلى أنهم يقيمون مع أهلها، لا يلغي القطاع الفندقي، بل يكمله، لكن بشرط أن يتساوى معه في الحقوق والواجبات. فما يطرد الفنادق هو استمرار الحرب وارتفاع الأكلاف التشغيلية، كما يشدّد أرباب هذا القطاع العريق. وهي مشكلات لن تُحلّ إلا بفتح القطاعات الخدماتية، من كهرباء وماء واتصالات، على المنافسة، ووقف الحرب، وتشجيع استقطاب السياح، وعودة لبنان بلداً للاستثمار والمؤتمرات. وإلا فإن الفوضى ستملأ القطاع؛ فعندما يسود الفراغ يمكن أن تملأه العشوائيات.