تتجمع على أطراف الاقتصاد مؤشرات سلبية. أكثرها مدعاة للقلق تحذير رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير من أن المرحلة الراهنة تمثل الإنذار الأخير قبل الانهيار الاقتصادي الكبير.
للوهلة الأولى يبدو القلق مبالغاً فيه. فمن “غرق” بالفعل بانهيار قيمة الليرة، وتبخّر المدخرات، وتعطّل المصالح، وارتفاع الأكلاف التشغيلية والمعيشية، لا يخاف أن “يبتل” برذاد التطورات المستقبلية محلياً وإقليمياً. إلا أن التعمّق بالأرقام يحمل المقاربة إلى مكان آخر.
النشاط الاقتصادي
تظهر الأرقام “تراجع النشاط الاقتصادي بنحو 35%، وانخفاضاً في الحركة التجارية بمعدل وسطي يبلغ 40%”، بحسب رئيس “تجمع الشركات اللبنانية” هادي سوبرة. ذلك مع العلم أن الرقم قد يرتفع إلى حدود 80% بالنسبة لمبيعات الأجهزة الكهربائية والسلع المعمرة والمفروشات وصولا إلى الكماليات. أما فيما يتعلق بالقطاع السياحي فتسجل المؤسسات تراجعاً بنحو 50% مقارنة مع العام الماضي.
الميزان التجاري
تراجع النشاط الداخلي ترافق مع توسع كبير في العجز بـ الميزان التجاري، نتيجة تراجع الصادرات وارتفاع قيمة الواردات. فسجل الميزان التجاري في الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي عجزاً تراكمياً بقيمة 11 مليار و470 مليون دولار، وبزيادة نسبتها 7.91% عن الفترة نفسها من العام الماضي.
ووفقاً لإدارة الجمارك اللبنانية، استودر لبنان سلعاً وبضائع بقيمة 13 مليار و664 مليون دولار، وبزيادة نسبتها 5% عن العام الماضي، فيما تراجعت الصادرات بنسبة 9% وبلغت قرابة 2.2 مليار دولار.
يعكس اتساع العجز التجاري الأثر المستمر للصراع على القدرات الإنتاجية والتصديرية للبنان، لا سيما بعد أشهر من تعطل القطاع الزراعي وسلاسل التوريد وحركة النقل. و”قد ساهم تخفيف حدة الأعمال القتالية وتجدد وقف إطلاق النار في شهر تموز في تعافي النشاط المحلي تدريجياً وعودة الأسر النازحة، مما عزز الطلب المحلي وحاجة الشركات إلى تجديد مخزوناتها”، بحسب تحليل “بلوم انفست”. ومع ذلك، “صبّ هذا التعافي في مصلحة الواردات أكثر من الصادرات؛ إذ ظلت الطلبيات الخارجية مقيدة بسبب عدم الاستقرار الإقليمي وارتفاع تكاليف الشحن حتى شهر آب، وذلك على الرغم من إعادة فتح السوق السعودية أمام الصادرات اللبنانية”.
ثقة مدراء المشتريات
على صعيد مؤشر مدراء المشتريات “PMI”، الذي يصدره “بلوم” فقد سجل ارتفاع مؤشري الإنتاج والطلبيات الجديدة بأسرع وتيرة خلال أيلول، منذ شباط 2026، وبلغ 50.5 نقطة.
صحيح أن قراءة المؤشر الأعلى من 50 نقطة تشير بالمبدأ إلى زيادة عامة في النشاط، إلا أن أعداد الموظفين شهدت تراجعاً ولو بشكل طفيف في نهاية الربع الثالث. وكانت المشتريات المجال الآخر الذي شهد انخفاضاً خلال فترة المسح الأخيرة، وذلك للمرة الأولى منذ نيسان 2026. وأشارت الشركات المشاركة في الدراسة إلى تفضيلها الاحتفاظ بمستويات منخفضة من المخزون، فيما فضّلت بعض الشركات انتظار تأكيد الطلبيات قبل شراء مستلزمات الإنتاج اللازمة. ومع ذلك، ارتفع مخزون المشتريات بشكل طفيف في أيلول 2026.
ارتفاع الأكلاف
على الجانب نفسه تعاني المؤسسات من ارتفاع الأكلاف الانتاجية بشكل كبير. ففاتورة المازوت وحدها زادت بنسبة 100%، مما اضطر الاقتصاد إلى دفع مليار دولار اضافية لتأمين هذه المادة الحيوية. ولا تقتصر مؤشرات الأزمة على القطاع الإنتاجي، بل تمتد إلى السياحة. فعدا عن ارتفاع الأكلاف الإنتاجية، قال شقير إن تأمين الكهرباء أصبح يكلف المؤسسات المتوسطة آلاف الدولارات شهرياً. هذا عدا عن بقية الأكلاف من مياه وإيجارات ورسوم وضرائب.
الإنهيار قد يستمر
إذا كانت الضربة الواحدة، مهما بلغت حدّتها، لا تقتل، فإن توالي الضربات بات يعرّض القطاعات الإنتاجية والخدماتية لأحد مصيرين: إما الإقفال وإما الهجرة. وفي الحالتين، سيدفع الاقتصاد الثمن، من جهة، جراء تراجع الناتج المحلي، ومن جهة أخرى، نتيجة فقدان فرص العمل.
غالباً ما تأخذ الأزمات الاقتصادية أحد الأشكال الثلاثة: (V)، ويعني التعافي السريع واستعادة النشاط الاقتصادي؛ أو (L)، ويشير إلى الهبوط ثم الاستقرار عند مستويات منخفضة، مع استمرار انكماش حجم الاقتصاد؛ أو (I)، ويعبّر عن استمرار التدهور الاقتصادي، بما يرافقه من ارتفاع في معدلات التضخم، وتعمّق الفقر، واتساع اللامساواة، وتراجع مستوى الخدمات وانحسار النشاط السياحي، فضلاً عن مؤشرات سلبية أخرى.
وبعد دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة (L) منذ منتصف عام 2023، نتيجة اتخاذ مجموعة من الإجراءات الرامية إلى الحد من التضخم، وفي مقدّمها تثبيت سعر الصرف، بدأ مسار التعافي يأخذ شكل (V) في عام 2025، مدفوعا بإقرار القوانين الإصلاحية وتحسن المعنويات وعودة العلاقات الدولية وفي مقدمتها مع المملكة العربية السعودية والإمارات. إلا أن هذه المرحلة لم تدم طويلاً، ففي ظل اشتداد الحرب إقليمياً واستمرارها داخلياً، إلى جانب غياب أفق واضح للحل. وقد بات ذلك يهدّد بإعادة الاقتصاد إلى مسار هبوطي مستمر، وهو السيناريو الأكثر إثارة للقلق.
في ظل ارتفاع معدلات التضخم محلياً وعالمياً، واستمرار تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وما ستخلّفه من آثار مباشرة وغير مباشرة على لبنان، يبرز الحياد والمضي في تنفيذ الإصلاحات بوصفهما ركيزتين أساسيتين للحد من الأضرار الاقتصادية. وإذا كان تحقيق الحياد أكثر تعقيداً، فإن المضي قدماً في الإصلاحات النقدية والمالية، وإعادة هيكلة القطاع العام، يشكّل مفاتيح أساسية للخروج من حالة المراوحة، وتهيئة الظروف اللازمة لاستعادة النمو فور انتهاء الحرب.
